البابا: كل يوم يمكنه أن يكون بداية لحياة جديدة بفضل محبة الله السّخيّة ورحمته
ومن هذا الأفق الرّوحيّ، ألقى البابا عظته، فقاد المؤمنين، بحسب فاتيكان نيوز" في مسيرة تأمّليّة تبدأ من بركة سفر العدد – بركة الوجه الإلهيّ الذي يضيء ويرحم ويمنح السّلام – وتفتح على خبرة التّحرر والولادة الجديدة، كما عاشها شعب إسرائيل الخارج من عبوديّة مصر، وكما تُمنَح اليوم لكلّ إنسان مع بداية عام جديد. سلامٌ لا يُختزل بغياب الحرب، بل يُستعاد كعطيّة علاقة، ونظرة حنان، وحضور إلهيّ يرافق التّاريخ والقلوب. وفي ضوء سرّ مريم، الكلّيّة القداسة ووالدة الله، كشف البابا وجه السّلام الحقيقيّ: سلام يولد من الضّعف، من طفلٍ في مذود، من إلهٍ اختار أن يكون "أعزلاً" ليجرّد العالم من منطق العنف والخوف. مريم، بنعمها الحرّة، سمحت لهذا الوجه أن يدخل التّاريخ، فصارت أمومةُ الإيمان فيها مدرسةً للثّقة، والتّجرّد، وتسليم الحياة بالكامل لمشيئة الله.
قال البابا لاوُن الرابع عشر "نحتفل اليوم بعيد مريم الكلّيّة القداسة، والدة الله، ومع بداية السّنة المدنيّة الجديدة، تقدّم لنا اللّيتورجيا نصّ بركة رائعة: "يُبارِكُكَ الرَّبُّ ويَحفَظُكَ. يُضيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِه عَلَيكَ ويَرحَمُكَ. يرفَعُ الرَّبُّ وَجْهَه إلَيكَ ويَمنَحُكَ السَّلام". تأتي هذه البركة في سفر العدد عقب التّعليمات الخاصّة بتكريس "النّاذريّين"، لتؤكّد على البُعد المقدّس والخصب للعطاء في العلاقة بين الله وشعبه. فالإنسان يقدّم للخالق كلّ ما ناله منه، ويستجيب الخالق بأن يوجه إليه نظره الحنون، تمامًا كما كان في فجر الخليقة. علاوة على ذلك، كان شعب إسرائيل الذي وُجّهت إليه هذه البركة، شعبًا من المحرَّرين؛ رجالاً ونساءً وُلدوا من جديد بعد عبوديّة طويلة بفضل تدخّل الله واستجابة عبده موسى السّخيّة. لقد كان شعبًا يتمتّع في مصر ببعض الضّمانات – فلم يكن الطّعام ينقصهم، وكان لديهم سقف واستقرار معيّن – ولكن بثمن باهظ: وهو العبوديّة والقهر تحت وطأة طغيان يطلب المزيد دائمًا ويعطي الأقل. والآن، في الصّحراء، فُقدت العديد من يقينيّات الماضي، ولكن في المقابل كانت هناك الحرّيّة، التي تجسّدت في طريق مفتوح نحو المستقبل، وفي عطيّة شريعة الحكمة، وفي الوعد بأرض يعيشون فيها ويكبرون بلا قيود أو أغلال: باختصار، ولادة جديدة.
هكذا، في بداية العام الجديد، تذكّرنا اللّيتورجيا أنّ كلّ يوم يمكنه أن يكون، لكلّ واحد منّا، بداية لحياة جديدة، بفضل محبّة الله السّخيّة ورحمته واستجابة حرّيّتنا. ومن الجميل أن نفكّر في العام الذي يبدأ بهذه الطّريقة: كطريق مفتوح للاكتشاف، نغامر فيه بنعمة الله، أحرارًا وحاملين للحرّيّة، نلنا الغفران ونوزِّعه للآخرين، واثقين في قرب وصلاح الرّبّ الذي يرافقنا على الدّوام. نحن نتذكّر كل هذا بينما نحتفل بسرّ أمومة مريم الإلهيّة، التي ساهمت بالـ "نعم" التي قالتها في إعطاء وجه إنسانيّ لينبوع كلّ رحمة وصلاح: وجه يسوع، الذي من خلال عينيه – كطفل ثم كشاب ورجل – تصل إلينا محبّة الآب وتغيّرنا. لذا، في بداية العام، وبينما ننطلق نحو الأيام الجديدة والفريدة التي تنتظرنا، نسأل الرّبّ أن نشعر في كلّ لحظة، من حولنا وعلينا، بدفء عناقه الأبويّ ونور نظره الذي يباركنا، لكي نفهم بشكل أفضل ونبقي حاضرين في أذهاننا من نحن ونحو أيّ مصير رائع نسير. ولكن في الوقت عينه، نمجّده بالصّلاة، وبقداسة الحياة، وبأن نكون لبعضنا البعض مرآة لصلاحه.
لقد علّم القدّيس أوغسطينوس أنّه في مريم "صار خالق الإنسان إنسانًا.لكي يستطيع منظم النّجوم أن يرضع من ثدي امرأة؛ ولكي يجوع ذاك الذي هو الخبز؛ [...] لكي يحرّرنا حتّى وإن كنّا غير مستحقين". لقد ذكّرنا هكذا بإحدى السّمات الأساسيّة لوجه الله: المجانيّة المطلقة لمحبّته، التي تظهره لنا – كما أردت أن أؤكّد في رسالة اليوم العالميّ للسّلام –"أعزلاً ويجرِّد من السّلاح"، عاريًا وضعيفًا كطفل حديث الولادة في المهد. وهذا ليعلّمنا أنّ العالم لا يخلص بشحذ السّيوف، أو بإصدار الأحكام، أو بالقهر، أو بإقصاء الإخوة، بل بالجهد الدّؤوب للفهم والمغفرة والتّحرير وقبول الجميع، بلا حسابات وبلا خوف.
هذا هو وجه الله الذي سمحت له مريم بأن يتكوّن وينمو في أحشائها، فغير حياتها تمامًا. إنّه الوجه الذي أعلنت عنه من خلال النّور الفرح والهشّ في عينيها كأم تنتظر؛ الوجه الذي تأمّلت جماله يومًا بعد يوم بينما كان يسوع ينمو في بيتها؛ كطفل وفتى وشاب، والذي تبعته بعدها بقلب التّلميذة المتواضعة على دروب رسالته، وصولاً إلى الصّليب والقيامة. وللقيام بذلك، تخلّت هي أيضًا عن كلّ دفاعاتها، وتنازلت عن التّوقعات والمطالب والضّمانات، كما تفعل الأمّهات، وكرَّست حياتها بلا تحفظ للابن الذي نالته بالنّعمة، لكي تعطيه مجدّدًا بدورها للعالم. في أمومة مريم الإلهيّة، نرى لقاء حقيقتين هائلتين "مجرّدتين من السّلاح": حقيقة الله الذي يتنازل عن كلّ امتيازات ألوهيّته لكي يولد بحسب الجسد، وحقيقة الإنسان الذي يعانق مشيئة الله كليًّا بثقة، مقدّمًا له في فعل محبّة كامل أعظم قواه: الحرّيّة.
إنّ القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، في تأمّله حول هذا السّرّ، دعانا للنّظر إلى ما وجده الرّعاة في بيت لحم: إنَّ "حنان الطّفل "الذي يجرِّد من السّلاح"، والفقر المدهش الذي كان فيه، والبساطة المتواضعة لمريم ويوسف"، جميع هذه الأمور قد غيّرت حياتهم، وجعلتهم "رسلاً للخلاص". لقد قال ذلك في ختام اليوبيل الكبير لعام ٢٠٠٠، بكلمات تجعلنا نتأمّل نحن أيضًا: "كم من العطايا وكم من الفرص الاستثنائيّة قدّمها اليوبيل الكبير للمؤمنين! في خبرة الغفران الذي نلناه ومنحناه، في ذكرى الشّهداء، في الإصغاء إلى صرخة فقراء العالم [...] لقد لمسنا نحن أيضًا حضور الله الخلاصيّ في التّاريخ. لقد لمسنا بأيدينا محبّته التي تجدّد وجه الأرض".
وإختتم قائلاً: "كما طلب من الرّعاة الذين خرجوا مُسرعين لكي يعبدوه، يطلب المسيح من المؤمنين الذين منحهم فرح أن يلتقوا به، استعدادًا شجاعًا للانطلاق من جديد لإعلان إنجيله القديم والجديد على الدّوام. ويرسلهم ليحيوا تاريخ البشر وثقافاتهم برسالته الخلاصيّة".
وإختتم البابا لاوُن الرّابع عشر عظته بالقول "أيّها الإخوة والأخوات الأعزاء، في هذا العيد المهيب وبداية العام الجديد، ومع اقتراب ختام "يوبيل الرّجاء"، لنقترب من المغارة بالإيمان، كمكان السّلام "الأعزل والذي يجرِّد من السّلاح" بامتياز، مكان البركة، حيث نتذكر العجائب التي صنعها الرّبّ في تاريخ الخلاص وفي حياتنا، لكي ننطلق بعدها مجدّدًا، كشهود المغارة المتواضعين، "ممجدين ومسبّحين الله" على كلّ ما رأيناه وسمعناه. ليكن هذا التزامنا وقصدنا للأشهر القادمة، ولحياتنا المسيحية دائمًا."
