الرّاعي: لبنان لن يبقى مخلّعًا لأنّ الوطن الّذي يؤمن شعبه بالحياة يستطيع أن يقوم من جراحه
بعد الإنجيل المقدّس، كانت للرّاع يعظة بعنوان "يا ابني مغفورة لك خطاياك... قم احمل سريرك واذهب إلى بيتك" (مر 2: 5؛11)، قال فيها
"1. تذكر الكنيسة في هذا الأحد شفاء الرّجل المخلّع، مشلول القوى الجسديّة. فحمله رجال أربعة، تولّد في قلوبهم، من سماعهم كلام يسوع، الإيمان بقدرته على الشّفاء، والمحبّة لابن بلدتهم كفرناحوم المشلول. ولمّا لم يستطيعوا الدّخول به لكثرة الجمع، علّمهم إيمانهم ودفعتهم محبّتهم، فصعدوا إلى السّطح ونقبّوه، ودلّوا المخلّع وسريره أمام يسوع. ولمّا رأى يسوع إيمانهم ومحبّتهم، بادر المخلّع بشفاء نفسه من خطاياها، ثمّ شفى جسده من شلله، قائلًا: أنّه "يا ابنيّ، مغفورة لك خطاياك... قم احمل سريرك واذهب إلى بيتك" (مر 2: 5؛11). فبان يسوع "طبيب الأرواح والأجساد".
2.يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا لنحتفل معًا بهذه اللّيتورجيا الإلهيّة، مع وفد رعايا رميش ودبل والقوزح الجنوبيّة العزيزة. نصلّي معهم من أجل حماية بلداتهم وبقاء أهلها فيها بسلام وطمأنينة، ونعلن لهم تضامننا معهم وقربنا منهم. وأوّجه تحيّة خاصّة إلى عائلة المرحوم سمير بطرس الهوا الّذي ودّعناه منذ حوالي ثلاثة أسابيع مع زوجته السّيّدة دنيا أبي عاد، وابنيه وابنته، وأشقّائه الدّكتور جان وجاك وجلال وعائلاتهم ومع سائر أنسبائهم وبلدة الصّفرا العزيزة. نصلّي لراحة نفسه، والعزاء لأسرته.
3. يعتصر قلبنا حزنًا على ابننا الخوري بيار الرّاعي، كاهن بلدة القليعة العزيزة، الّذي قضى شهيد الواجب في الحرب المدمّرة بين حزب الله وإسرائيل، وهي حرب يرفضها الحكم في لبنان والشّعب اللّبنانيّ برمّته. نصلّي لراحة نفس الشّهيد الكاهن الغيّور والمحبّ الخوري بيار، راجين له إكليل المجد بين صفوف الشّهداء القدّيسين، ملتمسين من الله أن تكون دماؤه فداءً لأبناء القليعة وسائر اللّبنانيّين. وآلمنا بالعمق استشهاد الشّباب الثّلاثة في بلدة عين إبل العزيزة وهم الشّهداء جورج خريش وإيلي عطالله وشادي العمّار. نعزّي أهلهم وعائلاتهم، ونصلّي لراحة نفوسهم، ولإحلال السّلام في لبنان.
4. ونذكر اليوم أهلنا في الجنوب الّذين ثبتوا في أرضهم رافضين هجرتها، وهم يرفضون هذه الحرب، بل يريدون الحياة في أرضهم بكرامة وسلام مع الجميع، ونحن نؤيّدهم. ونذكر الّذين اضطرّوا إلى ترك بيوتهم وأراضيهم وبلداتهم من جرّاء هذه الحرب المدمّرة عبثيًّا والمرفوضة رسميًّا وشعبيًّا. أناس تهجّروا من بيوتهم فجأة، تركوا ذكرياتهم، تركوا الأرض الّتي عاشوا عليها وتعبوا فيها، وحملوا أولادهم واطفالهم وقلقهم وساروا في طرق لا يعرفون إلى أين تقودهم. عائلات لبنانيّة من مسيحيّين ومسلمين غادرت قراها تحت وطأة الخطر، لا تعرف متى تعود، ولا تعرف أين سيكون بيتها المؤقت، ولا تعرف أيّ مستقبل ينتظر أبناءها. ولهؤلاء نقول: أنتم لستم وحدكم. الكنيسة معكم، والوطن معكم، وضمير الإنسان الحرّ معكم، وكلّ قلب مؤمن يشعر بوجعكم ويعرف أنّ الطّريق مهما طال لا يمكن أن يسلب منكم حقّ العودة إلى أرضكم وكرامتكم. الوقوف معكم واجب وطنيّ وأخلاقيّ.
5. في هذه الظّروف الصّعبة، يجدر بنا جميعًا حماية الدّولة ورئيسها وجيشها وقائده. فالوقت العصيب وقت دفاع لا وقت أحكام مسبقة، ووقت مزيد من الثّقة لا التّنكيل. فجميعهم يعملون بحكمة وشجاعة ودراية ومعرفة لخفايا الأمور أكثر من غيرهم. وهم جديرون بالتّقدير والتّشجيع، وتقييم جهودهم وتضحياتهم، واحترام إمكانيّاتهم. وفي وقت الحرب الضّروس لا مجال لتغيير القادة، كما تعلّمنا الحكمة.
6. يمثّل الرّجال الأربعة، بإيمانهم ومحبّتهم، الجماعة المسيحيّة المصلّية من أجل شفاء أبنائها وبناتها نفسًا وجسدًا، ويمثّلون الكنيسة الّتي تحمل شعبها إلى المسيح المخلّص والفادي. لكنّهم يرمزون أيضًا إلى أربع قوى أساسيّة يستطيع بها الإنسان أن ينهض من شلله الرّوحيّ: الإيمان والرّجاء والمحبّة والشّركة الكنسيّة. فإنّها تفتح له الطّريق إلى المسيح بحسب المفكّر الألمانيّ (Romano Guardini)، حيث يبدأ الشّفاء الحقيقيّ أوّلًا بغفران الخطايا قبل شفاء الجسد.
7. بمناداة المسيح للمخلّع "يا ابني" أراد أن يعيد إليه بنوّته الضّائعة قبل أن يعيد إليه عافيته، لأنّ المسيح أراد أن يعلن أنّ الشّفاء الحقيقيّ يبدأ عندما يستعيد الإنسان علاقته كابن للّه قبل أن يستعيد قدرته على السّير. لذلك يبدأ يسوع بالمغفرة، لأنّ الشّفاء الحقيقيّ يبدأ من الدّاخل، فالإنسان قد يقوم جسديًّا لكنّه يبقى مكسورًا في قلبه، لكن عندما تغفر خطاياه، يعاد إليه السّلام الّذي يسبق كلّ شفاء.
8. السّرير الّذي كان يحمل المخلّع أصبح هو المخلّع الّذي يحمله. وكأنّ الإنجيل يريد أن يقول إنّ النّعمة لا تزيل الضّعف فقط، بل تحوّله إلى شهادة.
يرى القدّيس توما الأكوينيّ، أنّ هذا التّحوّل يكشف عن طبيعة النّعمة الإلٰهيّة الّتي لا تعيد الإنسان فقط إلى حالته الأولى، بل ترفعه إلى قدرة جديدة. فالمشلول الّذي كان يحمل لأنّه عاجز عن السّير، صار بعد الشّفاء قادرًا على حمل الفراش نفسه، وكأنّ المسيح يعلن أنّ النّعمة لا تزيل الضّعف فقط، بل تمنح الإنسان قدرةً تفوق ضعفه السّابق. ولذلك يرى القدّيس توما أنّ حمل الفراش هو علامة على أنّ الإنسان الّذي نال المغفرة أصبح قادرًا على ضبط حياته الّتي كانت تضبطه.
9. في هذا الأحد، تضعنا الكنيسة أمام صورة المخلّع لنفهم حياتنا الرّوحيّة. فكم من إنسان يبدو قائمًا وهو في الدّاخل مخلّع! مشلول في القلب! مشلول بالخطيئة! والكنيسة في زمن الصّوم تدعونا لنحمل أنفسنا إلى يسوع. فاللّيتورجيا هي لقاء شفاء. في كلّ قدّاس، يمدّ الرّبّ يده إلينا ويقول: "قم، تعافى!".10. في هذا الإنجيل نرى واقع وطننا اليوم. فلبنان في حالة حرب ضروس بين حزب الله وإسرائيل وهي حرب مفروضة علينا، يبدو وكأنّه مخلّع وطننا، وطن متعب، مؤسّساته مشلولة، وشعبه يحمل بعض أمتعته ويهاجر. الرّجال الأربعة في الإنجيل رفضوا أن يبقى صديقهم مخلّعًا، فحملوه إلى يسوع. وهنا السّؤال الكبير: من يحمل لبنان؟ لا يمكن أن يحمله إلّا المخلصون، وأصحاب الولاء له دون سواه.
لبنان يحتاج اليوم إلى صوت ضمير واضح صاحب ولاء له يقول إنّ الأرض لأهلها، وإنّ الإنسان الّذي ترك بيته قسرًا يجب أن يعود إليه بكرامة. إنجيل المخلّع يعلّمنا أنّ الشّفاء يبدأ عندما يرفض النّاس الاستسلام. ولذلك نقول اليوم إنّ لبنان لن يبقى مخلّعًا، لأنّ الوطن الّذي يؤمن شعبه بالحياة يستطيع أن يقوم من جراحه.
11.فلنصلّ، أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء، ملتمسين من المسيح الرّبّ شفاءنا من خطايانا ومن شللنا، والوطن من جراح الحرب المدمّرة، نلتمس إيقافها، وحصر السّلاح بيد الدّولة. فنرفع المجد والتّسبيح للآب والابن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد. آمين."
