دينيّة
14 شباط 2026, 14:00

القدّيس مارون الإلهيّ

تيلي لوميار/ نورسات
تقيم الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة، في 14 شباط/ فبراير، عيد مار مارون، هامة النّسّاك في الأديرة في قورش. وعنه يحدّثنا خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض ويكتب:

"في الذّكرى 2000 عام وأكثر لوفاة القدّيس مارون النّاسك لا بدّ من التّوقّف والتّأمّل في حياته النّسكيّة. لهذا هناك محطّة أساسيّة في اليوم الرّابع عشر من شهر شباط في الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة حيث تقيم تذكار الأب المتوشّح باللّه مارون المتقدّس، هامة نسّاك الأديرة في قورش. لا نعرف أيّة تفاصيل عن طفولة قدّيسنا العظيم "مارون"، ولكن الدّلائل كلّها تشير إلى أنّه عاش طفولة مقدّسة وفي بيت مسيحيّ حقيقيّ، غرس في أعماق الطّفل مبادىء وتعاليم المسيح النّقيّة التي لم يحد عنها بعد ذلك، إذ تأصّلت في نفسه وكانت له السّياج الذي حرسه من العثرة، وكانت هي القائد الذي أمسك بزمام حياته. إلّا أنّ هناك مصدران فقط يتكلّمان عن القدّيس مارون النّاسك، الأوّل: رسالة بعث بها القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ من منفاه من أرمينيا حوالي 404 أو 405 إلى مارون النّاسك، وهذه الرّسالة السّادسة والثّلاثون من رسائل القدّيس الذّهبيّ الفمّ حيث يقول: "إنّنا لمرتبطون معك برباط المحبّة والشّعور، وعليه فإنّنا نراك كأنّك حاضر أمامنا... على قدر استطاعتنا نشيد نحن بفضلك ونعلن أنّك لا تبرح من ذاكرتنا حاملينك في نفسنا أينما كنّا. وقبل كلّ شيء نطلب إليك أن تصلّي لأجلنا". إنّ هذه الشّهادة لواضحة وأكيدة فإنّ الذّهبيّ الفمّ يعرف مارون النّاسك معرفة شخصيّة ويقدّر تقواه وفضائله فيطلب من منفاه أن يذكره بصلواته.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ وصف حياة النّاسك بعد أن عاشها أربع سنوات من375 إلى 379 في جبل قريب من أنطاكية فأتّخذ راهبًا سوريًّا مرشدًا له، ثمّ عاش في عزلة تامّة سنتين، ولكن صحّته ساءت فاضطرّ إلى العودة إلى المدينة واصفًا أنّ النّاسك يتوخّى قبل كلّ شيء الانقطاع إلى الله للتّأمّل ومناجاته فيعتزل النّاس ويحبس نفسه.

المصدر الثّاني هو ما كتبه ثيوذوسيوس أسقف قورش في كتابه (الحياة الدّينيّة) الذي ألّفه عام 444، والذي حرص على رسم لوحة رائعة عن القداسة النّسكيّة في المناطق التي أتى على ذكرها، لذلك لم يروِ لنا قصّة كاملة لا عن ميلاد القدّيس مارون وحياته، ولا عن أحواله. إلّا أنّه كتب فصلًا خاصًّا عن مارون النّاسك وهو الفصل السّادس عشر الذي أشار إلى طريقته في النّسك، وأيضًا ذكره عندما تكلّم عن بعض تلاميذه مثل يعقوب القورشي (الفصل الحادي والعشرون) وليمناوس (الفصل الثّاني والعشرون)، أو عن ناسك صديق لمارون اسمه زبيناس (الفصل الرّابع والعشرون). 

يقول أسقف قورش "إنّ مارون قد انزوى في جوار هيكل مهيّأ في الماضي لخدمة الضّلال القديم، ونصب لذاته خيمة من الجلود المكسيّة بالوبر يلجأ إليها في أوقات الأمطار والثّلوج" (الفصل الحادي والعشرون). هذا ما جاء عن ذكر مارون النّاسك في مقدّمة الكلام عن تلميذه يعقوب القورشي الذي عاصر القدّيس مارون وتلقّى عنه تعاليمه. يضيف أسقف قورش "إنّ مارون قد اتّخذ له رابية كانت في الماضي كريمة لدى قوم من الكافرين حيث كان هيكلًا للشّياطين"، وهذا الجبل اسمه الآن برساداغ كان مكرّسًا لعبادة ارطاميس برسيا parsaia، قريبًا من بلدة اعزاز في حلب، فكرّسه القدّيس مارون وبنى قربه كوخًا صغيرًا ولكن قلّما استعمله.

القدّيس مارون طلب الكمال فاتّخذ قرارًا مصيريًّا بأن يقضي حياته في العراء، فسكن في ذروة الجبل ليناجي ربّه في خلوات لا تنقطع. هذا ما جعل العلماء يؤكّدون أن القدّيس مارون هو مؤسّس أو زعيم حركة الحبساء في القورشية، فابتكر ألوانًا من التّقشّف وشظف المعيشة. وكلّل اللّه جهاداته بفيض غزير جدًّا من البركات والنّعم والمواهب. وإن كانت العجائب لا تدلّ على قداسة الحياة الشّخصيّة، إلّا أنّها إكليل في جملة أكاليل الأبرار. لهذا خصّ اللّه القدّيس مارون بموهبتي شفاء الأمراض وطرد الشّياطين حتّى انتشرت شهرته كلّ الآفاق، فتقاطر إليه النّاس من كلّ المناطق، فشفى الأمراض من جميع الألوان. ولم يلجأ إلى أدوات وعقاقير، أداته الوحيدة كانت الصّلاة الطّاهرة، وكان لا يكتفي بشفاء عاهات الجسد فحسب، بل كان أيضًا يأتي للنّفوس بالعلاج المفيد شافيًا هذا من داء البخل، وذاك من الغضب حتّى تحولت قورش إلى روضة مقدّسة. هكذا برز فلاّحا مجيدًا في حقل الرّبّ، فشفاء النّفس أهمّ من شفاء الجسد. يقول القدّيس مكسيموس المعترف إنّ إحسان الرّوح أهمّ من الإحسان إلى الجسد بما لا يقاس. مرض القدّيس مارون لأيّام كشف وهن طبيعته البشريّة وقوّة وحيويّة روحه. وقام نزاع شديد بين القرى المجاورة رغبة من كلّ منها في الاستيلاء على جثمانه. النّزاع على أجساد القدّيسين كان شائعًا جدًّا. أمّا تاريخ وفاة القديس مارون فمجهول التاريخ فهناك عدة أراء حول وفاته. 

ما يهمّنا اليوم هو رسالة القدّيس مارون لنا وهي أنّ القداسة هي السّرّ المضيء والفاعل لوجود اللّه المتعالي والمحوّل.

من هنا تأتي الصّفة غير الطّبيعيّة للقداسة: إنّها في آن معًا ألوهيّة ومشاركة وكشف القداسة. هي إشعاع الشّخص العلويّ التي تكشف نفسها لنا لترفعنا إليها. ويهمّنا أيضًا من رسالة القدّيس مارون أنّ التّجارب الرّوحيّة التي يبحث عنها اليوم العديد من الشّباب في اليوغا أو في الماورائيّات نصيبها الإخفاق، إذا لم تقودهم إلى المشاركة الشّخصيّة مع الشّخص المسيح "الإله – الإنسان" الذي عرف بفضل نار الرّوح كيف يخلّص الشّخص الإنسانيّ من جحيم الوحدة.

لهذا تدعو الكنيسة الأرثوذكسيّة القدّيس مارون في صلاة المساء الكبرى "البارّ المتألّه العزم، المتوشّح باللّه, ومرشدًا إلى سبل الخلاص قولًا وفعلًا"، ثمّ تضيف في صلاتها "مرشدًا حكيمًا ومثالًا نقيًّا للحياة في المسيح لكنيسة أنطاكية".

إنّ سيرة هذا القدّيس هي رسالة لنا وشهادة "أنّ الرّبّ دائمًا ينطلق بنا إلى صحراء ما ليتحدّث إلينا وجهًا لوجه. إنّه يظهر ذاته للّذي ينسلخ عن كلّ شيء وينصرف في غربة عن كلّ عشق وتعلّق وشهوة لكي يبتغي وجه الآب" (القدّيس باسيليوس الكبير). طوبى لمن يبتعد عن الجميع لكي يتّحد بالجميع.

يشرح القدّيس ساروفيم ساروفسكي الرّوسي قائلًا: عندما يوصي السّيّد أتباعه بأن يسلكوا الطّريق الضّيّق، فهو بذلك يخاطب الجميع دون تفرقة. "يا بنيّ أعطني قلبك" هذه هي وصيّة السّيّد لنا، لا فرق عنده بين لابسي الإسكيم أيّ الرّاهب والإنسان العاديّ. إنّه يطلب منّا أن نلبس إسكيمًا داخليًّا، يطلب قلوبًا تحبّ الرّبّ حبًّا جمًّا، وعلى هذا العرش يستوي ويؤسّس ملكوته.

فليمُدح مارون الإلهيّ الذي لمع بالنّسك الشّريف، ونال نعمة فعل العجائب، لأنّه إذ عاش كملاك على الأرض ظهر في النّهاية مساكنًا الملائكة. وهو يتشفّع إلى المسيح دائمًا ليمنحنا غفران الزّلّات.

إلى جنّة عدن مارونُ انتقل، هناك يتألّق طبيعيًّا إذ ذبل الجسد، ويسكن في المدينة الرّحبة، بعد أن غادر الأرض في الرّابع عشر من شهر شباط."