الفاتيكان
05 شباط 2026, 06:00

الكتاب المقدّس في تعليم البابا لاون الرّابع عشر

تيلي لوميار/ نورسات
تابع البابا لاون الرّابع عشر تأمّله بالدّستور العقائديّ ضمن وثائق المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، خلال المقابلة العامّة، مضيئًا على الكتاب المقدّس.

وفي تعليمه قال البابا: "الدّستور العقائديّ، كلمة الله(Dei Verbum)، الّذي نتأمّل فيه في هذه الأسابيع، يبيِّن لنا أنّ الكتاب المقدّس، الّذي نقرأه في تقليد الكنيسة الحيّ، هو مساحة مميَّزة للّقاء، حيث يستمرّ الله في أن يكلّم الرّجال والنّساء في كلّ زمن، لكي يتمكّنوا، بالإصغاء إليه، من معرفته ومحبّته. مع ذلك، لم تُكتب نصوص الكتاب المقدّس بلغةٍ سماويّة أو فوق بشريّة. في الحقيقة، كما يعلِّمنا الواقع اليوميّ، لا يستطيع شخصان يتكلّمان لغتَين مختلفَتَين أن يفهم أحدهما الآخر، ولا أن يدخلا في حوار، ولا أن يقيما أيّة علاقة. في بعض الحالات، السّعي لكي يفهمنا الآخر هو أوّل عمل محبّة نعمله. لذلك اختار الله أن يكلّمنا فاستخدم لغات البشر، وهكذا قام مؤلّفون مختلفون، ألهمهم الرّوح القدس، بكتابة نصوص الكتاب المقدّس. وكما يذكّرنا الدّستور المجمعيّ: "إنّ كلامَ الله الّذي عُبِّرَ عنه بلغةِ البشرِ صارَ شبيهًا بالكلام البشريّ، كما صارَ كلمةُ الله الأزليّ، فيما مضى من الأزمنة، شبيهًا بالبشر بعد أن أَخَذَ جَسَدَ ضعفنا البشريّ" (كلمة الله، 13). ولهذا، فإنّ الكتاب المقدّس يُظهِر، ليس فقط من حيث المضمون، بل أيضًا من حيث اللّغة، تواضُعَ الله الرّحيم تجاه البشر ورغبته في أن يكون قريبًا منهم.

على امتداد تاريخ الكنيسة، تمَّ البحث في العلاقة بين المؤلِّف الإلهيّ وبين المؤلِّفين البشر للنّصوص المقدّسة. وعلى مدى قرون عديدة، انشغل كثير من اللّاهوتيّين بالدّفاع عن إلهام الكتاب المقدّس الإلهيّ، حتّى أنّهم اعتبروا المؤلِّفين البشر مجرّد أدوات "مُستقبِلة" من الرّوح القدس. أمّا في الأزمنة الحديثة، فقد أعادت الدّراسات تقييم مساهمة كُتَّاب الأسفار المقدّسة في صياغة النّصوص المقدّسة، إلى حدّ أنّ الدّستور المجمعيّ يتكلّم على الله بوصفه "مؤلّف" الكتاب المقدّس الأساسيّ، ويسمّي أيضًا كُتَّاب الأسفار المقدّسة بـ"مؤلّفين حقيقيّين" لها ( كلمة الله، 11). وكما لاحظ أحد المفسّرين اللّامعين في القرن الماضي: "إنّ إنزال العمل البشريّ إلى مجرّد دور ناسخ لا يمجّد العمل الإلهيّ" [1]. فالله لا يُهين الإنسان أبدًا ولا يقلّل من طاقاته وقدراته!

إذًا، إن كان الكتاب المقدّس هو كلام الله في كلام بشريّ، فإنّ أيّ محاولة لفهمه تُهمِل أو تُنكر أحد هذَين البُعدين تُعَدّ ناقصة. ويترتّب على ذلك أنّ التّفسير الصّحيح للنّصوص المقدّسة لا يمكنه أن يتجاهل البيئة التّاريخيّة الّتي نضجت فيها، والصِّيَغ الأدبيّة الّتي استُخدمت في صياغتها. بل إنّ التّخلّي عن دراسة الكلام البشريّ الّذي استخدمه الله قد يؤدّي إلى قراءات أصوليّة أو روحانيّة للكتاب المقدّس، تُشوّه معناه الحقيقيّ. هذا المبدأ ينطبق أيضًا على إعلان كلمة الله: فإن فَقَدَ هذا الإعلان صلته بالواقع، وبآمال النّاس وآلامهم، وإنّ استعمل لغة غير مفهومة، أو غير معبّرة أو غير مستعملة، فهو يصير إعلانًا غير فعّال. في كلّ حقبة من الزّمن، الكنيسة مدعوّة إلى أن تقدّم من جديد كلام الله، بلغة قادرة على أن تتجسّد في التّاريخ وتصل إلى القلوب. كما ذكّرنا البابا فرنسيس: "كلَّ مرّة نسعى فيها للعودة إلى الينبوع كي نستعيد رونق الإنجيل الأصيل، تظهر سبلٌ جديدة، وأساليب خلاّقة، وأشكال تعبير أخرى، وعلامات أشدّ بلاغة، وكلام مفعم بمعنى متجدّد لعالم اليوم" [2].

من جهةٍ أخرى، قراءة للكتاب المقدّس لا تهتمّ لأصله الإلهيّ، هي قراءة ناقصة، تنتهي إلى اعتبار الكتاب المقدّس مجرّد تعليمٍ بشريّ، أو مادّة ندرسها فقط من ناحية فنّيّة، أو على أنّها "فقط كتابة من الماضي" [3]. الكتاب المقدّس، ولاسيّما عندما نقرأه في إطار اللّيتورجيّا، يريد أن يُكلِّم مؤمني اليوم، وأن يمسّ حياتهم الحاضرة بما تحمله من إشكاليّات، وأن ينير خطواتهم الّتي يجب أن يقوموا بها والقرارات الّتي يجب أن يتّخذوها. هذا الأمر لا يَصير ممكنًا إلّا عندما يقرأ المؤمن النّصوص المقدّسة ويفسّرها بإرشاد الرّوح القدس نفسه الّذي أوحى بها (راجع كلمة الله، 12).

بهذا المعنى، الكتاب المقدّس يُفيد في تغذية حياة المؤمنين ومحبّتهم، كما يذكّرنا القدّيس أغسطينس: "كلّ من يعتقد أنّه فَهِمَ الأسفار المقدّسة الإلهيّة [...]، إن لم يستطع، بواسطة هذا الفهم، أن يبني صَرح هذه المحبّة، محبّة الله ومحبّة القريب، فهو لم يفهمها بعد" [4]. أصل الكتاب المقدّس الإلهيّ يذكّرنا أيضًا أنّ الإنجيل، الّذي أُوكِل إلى شهادة المعمَّدين، يشَمل جميع أوجه الحياة والواقع، ويتجاوزها أيضًا: فلا يمكن أن نحصره في مجرّد رسالة إنسانيّة أو اجتماعيّة، بل هو إعلان مليء بالفَرح عن الحياة الكاملة والأبديّة الّتي أعطانا إيّاها الله في يسوع المسيح.

أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، لنشكر الرّبّ يسوع لأنّه، في صلاحه، لا يحرم حياتنا غذاء كلمته الجوهريّ، ولنصلِّ لكي لا يكون كلامنا، ولا حياتنا، حاجبًا دون محبّة الله الّتي يجب أن تظهر فيها."

وفي ختام مقابلته العامّة، وجّه البابا نداء للصّلاة من أجل الأوكرانيّين الّذين يعانون كثيرًا بسبب تبعات القصف الّذي عاد ليستهدف أيضًا البنية التّحتيّة للطّاقة. وأعرب عن امتنانه لمبادرات التّضامن الّتي تقوم بها الأبرشيّات الكاثوليكيّة في بولندا وبلدان أخرى من أجل مساعدة السّكّان في ظلّ هذا البرد القارس.

وعشيّة انتهاء معاهدة "نيو ستارت" الّتي وقّعها في العام ٢٠١٠ رئيسا الولايات المتّحدة والاتّحاد الرّوسيّ، والّتي شكّلت خطوة هامّة في الحدّ من انتشار الأسلحة النّوويّة، جدّد البابا تشجيعه لكلّ جهد بنّاء لصالح نزع السّلاح ومن أجل الثّقة المتبادلة، وحثّ على عدم التّخلّي عن هذه الأداة من دون السّعي إلى ضمان متابعتها بشكل ملموس وفعّال، مشيرًا- بحسب "فاتيكان نيوز"- إلى أنّ الوضع الحاليّ يتطلّب بذل كلّ جهد ممكن لتجنّب سباق تسلّح جديد يهدّد السّلام بين الأمم. وألحّ على استبدال منطق الخوف وعدم الثّقة بأخلاقيّة مشتركة قادرة على توجيه الخيارات نحو الخير العامّ، وجعْل السّلام إرثًا يحميه الجميع.