المطران معوّض ترأّس قدّاس عيد مار مارون في كسارة
وفي عظته، قال معوّض بحسب إعلام الأبرشيّة: "إنتهج مار مارون الحياة النّسكيّة على جبال قورش في سوريا، حيث حوّل هيكلًا وثنيًّا إلى موضع لعبادة الله، فجعل من الأرض طريقًا إلى السّماء. والموارنة، الّذين تسمّوا باسمه، انتشروا في سوريا ولبنان. وإحتلّت أرض لبنان في وجدان الموارنة فيه مكانة فريدة. ففيها تبلورت هويّتهم المارونيّة بكلّ غناها الأنطاكيّ، وتطوّرت على صعيد الهيكليّة البطريركيّة، واللّيتورجيا، والرّوحانيّة. (راجع أيضًا المجمع البطريركيّ المارونيّ، النّصّ الثّالث والعشرون: الكنيسة المارونيّة والأرض، بكركي 2006، عدد 10).
فعلى صعيد الهيكليّة، نشأت البطريركيّة المارونيّة حول دير مار مارون في أفاميا، سوريا، بين أواخر القرن السّابع والنّصف الأوّل من القرن الثّامن. ثمّ استقرّت وتطوّرت منذ القرن العاشر، في لبنان، في مراكز عدّة، أبرزها، كفرحي، ويانوح، وميفوق، ووادي قنّوبين، والدّيمان، وبكركي. وكان البطريرك والأساقفة، حتّى القرن السّابع عشر، رهبانًا يعيشون معًا حياة ديريّة وسينودسيّة، يعاون فيها الأساقفة البطريرك في الرّسالة الرّاعويّة، وكان الموارنة رعيّته، وهو لهم الأب والرّأس. ومع المجمع اللّبنانيّ (في اللّويزة- كسروان سنة 1736)، أُقرّ تنظيم جديد تعزّز مع المجمع الفاتيكانيّ المسكونيّ الثّاني (1965) والتّشريعات اللّاحقة، وقضى بتوزيع الأبرشيّات بحدود واضحة، وإقامة الأساقفة فيها. وتابع البطريرك والأساقفة عيش السّينودسيّة ورعاية الكنيسة، وتثبيتها في الملمّات الصّعبة. (راجع المجمع البطريركيّ المارونيّ، النّصّ الثّاني: هويّة الكنيسة المارونيّة ودعوتها ورسالتها، بكركي 2006، عدد 6 و 18 و22 و 23 و 36؛ النّصّ التّاسع عشر: الكنيسة المارونيّة والسّياسة، عدد 6).
وأمّا ليتورجيا الكنيسة المارونيّة فهي انطاكية سريانيّة. استقلّت عن ليتورجيّات الكنائس الأخرى كالسّريان والملكيّين، مع نشأة البطريركيّة المارونيّة. وإكتملت معالمها تدريجيًّا في لبنان. وفي القرن السّابع عشر، قام الطّوباويّ البطريرك إسطفان الدّويهيّ بإصلاحها، بعد أن دخلتها تأثيراتٌ خارجيّة. وتواصل الإصلاح في لبنان عبر التّاريخ، ولاسيّما بعد المجمع اللّبنانيّ 1736، والمجمع الفاتيكانيّ المسكونيّ الثّاني (1965). إنّ أرض لبنان تذكّرنا بالعودة إلى الأصالة اللّيتورجيّة المارونيّة. (راجع المجمع البطريركيّ المارونيّ، النّصّ الثّاني عشر: اللّيتورجيا، بكركي 2006، عدد 7).
وتأثّرت هذه اللّيتورجيا بالبيئة الزّراعيّة وببساطتها، فعكستها بألحانها القريبة من الشّعب، وبكنائسها، وصلواتها المتضمّنة صورًا مأخوذة من الأرض، فدعت المسيح بالحارث الّذي يقتلع الزّوان، وشبّهته بحبّة القمح الّتي قبلتها مريم كالأرض الطّيّبة، كما نرتّل في القدّاس (راجع المجمع البطريركيّ المارونيّ، النّصّ الثّاني عشر: اللّيتورجيا، بكركي 2006، عدد 13 تعليق 6). وإختبر المؤمنون أنّ نتاج الأرض عطيّة من الله، فالتجأوا إلى شفاعة العذراء مريم في أعياد زراعيّة، كعيد سيّدة الزّروع في 15 كانون الثّاني، وعيد سيّدة الحصاد في 15 أيّار.
وأرض لبنان بالنّسبة إلى الموارنة، هي أرض النّسك والتّكرّس. ففي الوادي المقدّس المعروف بوادي قنّوبين، الممتدّ من سفوح جبال الأرز في بشرّي حتّى قضاء الكورة، أقام الكثير من الرّهبان في أديرة مبنيّة في الصّخر، كدير مار ليشع، ودير سيّدة قنّوبين، ودير مار أنطونيوس قزحيّا. وعاش النّسّاك في صوامع وكهوف طبيعيّة بأعداد كبيرة. ووصف الرّحّالة جان لا روك سنة 1690، الرّهبان في دير قنّوبين، والمتوحّدين في المغاور المحيطة به، بحياتهم القشفة، وضيافتهم للجميع، وبساطتهم الرّائعة. وشكّل حضورهم شهادة للجذريّة الإنجيليّة، وللطّابع النّسكيّ والرّهبانيّ في الهويّة المارونيّة.
(راجع جورج عرب، المسيحيّون والوادي المقدّس، الكريم جونيه، 2011، ص. 88-89؛ 106؛ راجع أيضًا المجمع البطريركيّ المارونيّ، النّصّ الثّامن: الحياة الرّهبانيّة في الكنيسة المارونيّة، بكركي 2006، عدد 5).
وإختبر الموارنة أنّ أرض لبنان هي أرض الحرّيّة. فبعد الفتح العربيّ، اعتصموا في الجبال الوعرة والوديان السّحيقة في شمال لبنان وجباله، وبشكل خاصّ في منطقة الجبّة ووادي قنّوبين، طلبًا للأمان. وقد لانت وعورة الأرض أمام صلابة إيمانهم، وتمسّكهم بحرّيّتهم (راجع المجمع البطريركيّ المارونيّ، النّصّ الثّامن: الحياة الرّهبانيّة في الكنيسة المارونيّة، بكركي 2006، عدد 5).
وأرض لبنان هي مساحة العيش المشترك. ففي جبل لبنان، ألّف الموارنة جماعة متماسكة، ثمّ انتشروا، خصوصًا في القرن السّادس عشر وما بعد، إلى الدّاخل اللّبنانيّ كالبقاع، وإلى الجنوب، وتعاونوا مع عدد من الحاكمين المسلمين والموحّدين الدّروز، من أبناء بلدهم، في العهد العثمانيّ. وفي أيّام الأمير فخر الدّين المعنيّ الكبير، تعزّز تعاونهم مع الدّروز وسائر أبناء الجبل، وبدأت تنشأ نواة التّعدّديّة في الكيان الواحد، وتطوّرت عبر مجلس الإدارة في نظام المتصرّفيّة (1914-1861)، وتحقّقت بإعلان لبنان الكبير
(1920)، وتكرّست بالميثاق الوطنيّ (1943)، وشكّلت المكوّن الأساسيّ لهويّة لبنان.
(راجع المجمع البطريركيّ المارونيّ، النّصّ التّاسع عشر: الكنيسة المارونيّة والسّياسة، بكركي 2006، عدد 14 – 9).
تُمثّل أرض لبنان للموارنة الذّاكرة الحيّة لهويّتهم الكنسيّة بأبعادها البطريركيّة، واللّيتورجيّة، والرّوحيّة، والإنسانيّة. إنّ الكنيسة المارونيّة لاهوتيًّا، هي كنيسة المسيح، ولا تنحصر في وطن أو في أرض، ولكنّها تجد في أرض لبنان خصوصًا الجذور الّتي صاغت هويّتها التّاريخيّة. في هذا المعنى إنّ قيمة الأرض تعلو على قيمتها المادّيّة. فهي إرث روحيّ مرتبط بهذه الجذور، وهي ضروريّة للبقاء في الوطن، والإسهام في العيش المشترك.
في عيد مار مارون تعود الكنيسة المارونيّة إلى جذورها، فتتجدّد لتكون الكنيسة الّتي يريدها المسيح. ولبنان بدوره يتجدّد، حين يعود اللّبنانيّون على اختلاف طوائفهم، إلى جذور هوّيّتهم اللّبنانيّة القائمة على الميثاق الوطنيّ، وصيغة العيش المشترك. ففي هذا السّياق، تعاهد اللّبنانيّون على بناء دولة واحدة للجميع، وعلى التّشارك في الحكم.
وعلّمتنا التّجربة التّاريخيّة في لبنان، بما شهدته من أزمنة ازدهار وظروف صعبة، أنّ الميثاقيّة لا تقتصر على قرار اتُّخذ في الماضي، بل هي التزام في مسيرة مستمرّة، تحتاج إلى حوار دائم وصريح بين جميع المكوّنات، من أجل تحصينها، وتعزيز صيغة العيش المشترك، بما في ذلك تقييم اتّفاق الطّائف. بهذه الرّوح الميثاقيّة، وفي هذا الوضع الإقليميّ الرّاهن والمضطرب، نشخص إلى الدّولة راجين أن تتابع بسط سيادتها على كامل أراضيها، وتعتمد الحوكة الشّفّافة والرّشيدة، وتُتمّ الاستحقاقات الدّستوريّة في موعدها، وتنجز التّعافي الاقتصاديّ في أقرب وقت ممكن، بما يُنصف المواطنين في أجورهم، وتعويضاتهم، ويسرّع في ردّ ودائعهم. ونأسف شديد الأسف لانهيار مبنيين جديدين في طرابلس بالأمس، ونسأل اللّٰه الرّحمة للموتى، والشّفاء للجرحى، مع مناشدة المسؤولين في الدّولة اتّخاذ التّدابير العاجلة لحماية السّكّان في الأبنية المهدّدة بالسّقوط، والسّهر على السّلامة العامّة.
نشكر اللّٰه على عطيّة الأرض، ونسأله، بشفاعة مار مارون، أن ينيرنا لنحافظ عليها، لِما تمثّله من إرث كنسيّ وروحيّ واجتماعيّ، ولنبني عليها معًا وطن الأخوّة والسّلام. آمين."
وبعد القدّاس، استقبل معوّض المهنّئين في صالون المطرانيّة.
