لبنان
14 آذار 2022, 06:55

عوده: همّ المواطن أن يعيش بكرامة وجلّ ما يقوم به المسؤولون هو إلهاء الشّعب

تيلي لوميار/ نورسات
ترأّس متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس المطران الياس عوده خدمة القدّاس الإلهيّ في كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس- بيروت.

بعد قراءة الإنجيل المقدّس ألقى عوده عظة قال فيها: "أحبّائي، إنّ كنيسة المسيح الأرثوذكسيّة هي واحدة مقدّسة جامعة رسوليّة، على حسب ما نعترف في دستور الإيمان. هي الّتي حفظت إيمان الرّسل والآباء غير مشوّه، ذاك الإيمان الّذي ثبّت المسكونة. اليوم، بتعييدنا لرفع الأيقونات المقدّسة، نعيّد كأرثوذكسيّين لانتصار كنيستنا على جميع الهرطقات. إنّه انتصار على ضلال متعدّد الوجوه، جعل النّاس ينحرفون عن الطّريق القويم بتعاليم ملحدة متنوّعة، وقادهم إلى هوّة الهلاك. كنيسة المسيح الأرثوذكسيّة، صوتها هو لاهوت مستقيم الرّأي، وهذا ليس مجرّد صياغة نظريّة لعقائد ينشغل بها عقل الإنسان، ونقبلها نحن بلا جدل. إنّه أوّلًا حياة وخبرة.

جوهر ما تقوله الكنيسة في وعظها هو كلام الرّسول فيليبّس لنثانائيل: "تعال وانظر". الكنيسة تدعو النّاس إلى لقاء شخصيّ مع المسيح، وإلى التّيقّن بالخبرة من الحقيقة الّتي تكرز بها.

التّقوى هي الإيمان والحياة المرتبطان بسرّ التّجسّد الإلهيّ. والإنسان الصّادق في تقواه، الّتي تنعكس في حياته محبّةً وتواضعًا وتضحيةً وخدمةً، هو المستقيم الرّأي. فإذا اقتصر الاهتداء إلى الأرثوذكسيّة على التّشبّه الظّاهريّ بالأشكال التّراثيّة للتّقوى، وباستعادة الإنتاجات الفنّيّة الماضية من دون اشتراك جوهريّ في سرّ الكنيسة، نكون أمام "ثقافة أرثوذكسيّة" ناقصة وسطحيّة. فإذا أعيد مثلًا إحياء الفنّ البيزنطيّ أو التّرتيل البيزنطيّ بمعزل عن جوّ الصّلاة الخشوعيّ وعن إرشاد الآباء الشّافي، يصبح هذان صورتين عن الماضي لا حياة فيهما ولا قوّة، يدلّان على الرّوح المحافظة، ولا يكوّنان تراثًا حيًّا. إلى ذلك، نجد في الأيقونة والتّرتيل تعبيرًا عن لاهوت الكنيسة كلّه وعن حياتها. إنّهما فنّان لاهوتيّان نسكيّان، لذلك يتطلّبان جهدًا كبيرًا من النّاظرين والسّامعين. فإنشاد التّسابيح ليس هدفه إطراب النّاس، بل تليين النّفس وإخماد الأهواء، لكي يكتسب الذّهن قدرةً أوفر على إدراك المعاني الرّوحيّة. كذلك الأيقونة، بالصّوم الّذي تفرضه على العين، تريد أن تميت شهوة اللّذّات الحسّيّة الدّنيويّة، وأن توفّر، من خلال القدّيسين، نور حياة أخرى، هي حياة المسيح الّذي يصوّره الرّوح القدس في قلوب المؤمنين.

إنّ مركز نموّ الحياة المستقيمة الرّأي هو قلب الإنسان. وفي القلب المتواضع الّذي لا غشّ فيه تنتصر هذه الاستقامة، لأنّ فيه يتجلّى الله، ويسترجع صورته السّاقطة في الإنسان. الحياة المستقيمة الرّأي طاعة لوصايا المسيح، ومشاركة في نعمة الأسرار، هدفها انعتاق الإنسان الدّاخليّ من أسر الأهواء، إضافةً إلى انعتاق الذّهن من الكبرياء والمكر، علّه يصبح متواضعًا لا يعرف الشّرّ.  

إنّ نثانائيل الّذي حدّثنا عنه إنجيل اليوم هو نموذج مميّز للإنسان المستعدّ أن يقبل ظهور المسيح العظيم لذلك، بعد حديثه الوجيز مع المسيح، اعترف به وقبله قائلًا: "يا معلّم، أنت ابن الله". لقد عاين نثانائيل، في الإنسان الّذي رآه للتّوّ، إبنًا لله لأنّه شاهده بالعين الدّاخليّة لقلبه النّقيّ الّذي لا غشّ فيه. إعتراف نثانائيل هو اعتراف كنيستنا المقدّسة، هو اعتراف آبائها الّذين كانوا يرون المسيح بنقاوة قلوبهم، ولا يزالون، وهم مثل فيليبّس، يدعون الآخرين نحو الّذي يرونه.  

يا أحبّة، عيّدنا في الأيّام الماضية للمعلّم، هذا الإنسان الّذي يعمل جاهدًا من أجل تعليم الأجيال وتغذيتهم بأفضل العلوم، وتنمية مواهبهم وحسّهم الوطنيّ والنّقديّ. لولاه ما استطاع الأهل ولا المسؤولون إيصال أبنائهم إلى المستوى العلميّ الرّفيع، الّذي يقود خطاهم إلى الإبداع والعالميّة. وفيما المعلّم يقوم بدوره، نجده يعاني كما جميع اللّبنانيّين صعوبات جمّةً، ونراه مجبرًا على الاعتصام والإضراب من أجل الحصول على أدنى مطالبه، فيما خيرات البلد مهدورة ومنهوبة وليس من يحاسب، وتلاميذ المدارس الرّسميّة خاصّةً، وطلاّب الجامعة اللّبنانيّة يدفعون الثّمن. إنّ إعادة النّظر في التّعليم الرّسميّ، وتنظيمه، وتطويره، وإبعاده عن التّجاذبات السّياسيّة والطّائفيّة، وجعله قبلة جميع الطّلّاب كما في العالم، ضرورة ملحّة في أيّامنا الصّعبة. ألا بارك المعلّم الأعظم، ربّنا يسوع المسيح، جميع المعلّمات والمعلّمين، ومنحهم القوّة والصّبر من أجل متابعة رسالتهم في سبيل خير الإنسان، في بلد لا يضع الإنسان في  أوّل اهتماماته.

يا أحبّة، منذ أيّام عيّدت المسكونة ليوم المرأة العالميّ، وفي حين تكرّم المرأة عالميًّا، نجدها فاقدةً للكثير من حقوقها في بلدنا أو معنّفةً ومقموعة. فالمرأة، الّتي تنشئ الأجيال وتزرع فيها الإيمان والمحبّة والأخلاق والفضائل، وتنمّي فيها حبّ الوطن وحبّ الآخر، مبعدة عن مراكز القرار، وفي بعض الأحيان محرومة من فرصة التّعلّم أو العمل، وفي معظم الأحيان فاقدة فرصة المساواة في الأجر أو في الحقوق. ألا تستحقّ منحها دورًا قياديًّا في هذا البلد الّذي أفسده الرّجال؟ لنتذكّر الدّور الأهمّ الّذي قامت به المرأة الأسمى من جميع المخلوقات، سيّدتنا العذراء مريم، وهو أن تكون والدةً للإله. فإذا كان الله أمّن امرأةً من أرضنا على تربية ابنه الوحيد، ألا يستطيع البشر من الرّجال ائتمانها على حقيبة وزاريّة أو مقعد نيابيّ أو مركز قياديّ؟

اليوم، ونحن نعيّد لرفع الأيقونات المقدّسة، يجب ألّا ننسى أنّ الإنسان بذاته أيقونة من صنع الله، خلقها الله على صورته ومثاله. إحترام أيّ إنسان واجب، ومن هذا المنطلق، على المسؤولين أن يحترموا الشّعب، ويكفّوا عن استغلاله واستعباده أو استغبائه. نسمع بين الحين والآخر كلامًا على تأجيل الانتخابات. هذا الأمر مرفوض ومدان من الشّعب، لأنّ كيل الشّعب طفح من أناس نكّلوا به وفجّروه وأهانوه وذلّوه، ولا يزالون يتفرّجون على عذابه ويأسه، غير قادرين على اجتراح الحلول ومعالجة المشاكل، أو لا يريدون فعل ذلك لكي لا يحرموا ممّا تبقّى من قالب حلوى الوطن. هل وضع بلد صغير كلبنان مستعص عن الحلول، أم أنّ المصالح تعطّل أيّ حلّ ممكن؟ منذ الانهيار الماليّ والاقتصاديّ، قبل نحو سنتين، لم نشهد تقدّمًا، ولا حتّى وقفًا للانهيار. منذ عقود لا كهرباء في المنازل، ولا نسمع إلّا عن خطط إنّما بدون تطبيق. صُمّت آذاننا من ذكر الإصلاح ووقف الهدر ومحاسبة الظّالمين والمعتدين والفاسدين والهادرين مال الشّعب وكرامة الوطن، لكنّ الخطابات والوعود بعيدة كلّ البعد عن الواقع وعن التّطبيق. ما همّ المواطن الجائع أو المريض إن تبوّأ فلان هذا المركز أو ذاك، وإن أقصي فلان عن هذه اللّائحة أو تلك، وإن كان ممكنًا تصنيع المسيّرات في لبنان، أو إن كان لبنان في هذا الحلف أو ذاك؟ سئلت فتاة صغيرة: "هل أنت مسيحيّة أم مسلمة؟" أجابت باكيةً: "أنا جائعة". همّ المواطن أن يعيش بسلام وأمان، وأن يطعم أولاده ويعلّمهم في جو صحّيّ خال من التّضليل والتّحريض والتّرهيب، وأن يحظى بكلّ حقوقه في وطن يحترم مواطنيه ويعاملهم بالعدل والمساواة، وأن لا يموت على طرقات مظلمة تفتقر إلى أدنى شروط السّلامة، وأن لا يفجّر وهو جالس في بيته أو يفقد طفله برصاصة طائشة. همّ المواطن أن يكون من اختارهم لتمثيله أمناء على حقّه، لا أمناء لمصالحهم وحقوقهم. همّه أن يرى بلده حضاريًّا ومتطوّرًا وصديقًا لبلدان العالم، لا يتدخّل في شؤونهم ولا يسمح لهم بالتّدّخل في شؤونه. همّ المواطن أن يعيش بكرامة هي حقّ كلّ إنسان. على المسؤولين أن يتذكّروا قول الرّبّ: "الحقّ أقول لكم، بما أنّكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتموه" (مت 25: 40). جلّ ما يقوم به المسؤولون هو إلهاء الشّعب بصغريات الأمور من أجل تمرير مصالحهم. أين أصبح التّحقيق في تفجير المرفأ؟ أين محاسبة المحتكرين؟ أين الكهرباء؟ أين أموال النّاس الّتي اكتسبوها بعرق جبينهم وحرمهم الفساد وسوء الإدارة منها؟ أين محاربة الفساد والفاسدين؟ أين إصلاح الإدارات العامّة؟

لذا نرفع الدّعاء في هذا الأحد الأوّل من الصّوم كي يلهم الرّبّ الإله كلّ مسؤول من أجل أن يعمل بمسؤوليّة وصدق وتجرّد وإخلاص من أجل نهضة هذا البلد، ونسأله أن يساعدنا كي نحافظ على صورة الله نقيّةً فينا، وألّا نشوّهها بالشّهوات والأحقاد وسائر الخطايا.

بارككم الله، وحفظكم في الإيمان القويم، آمين."