يونان في الدّنح: علينا أن نحيا المحبّة الحقيقيّة الّتي تجمع ولا تفرّق
على مذبح كنيسة العائلة المقدّسة- سدّ البوشريّة، احتفل بطريرك السّريان الكاثوليك مار إغناطيوس يوسف الثّالث يونان بقدّاس عيد الدّنح عاونه فيه الخوراسقف حبيب مراد، والأبوان كريم كلش وطارق خيّاط، وقد تخلّله تبريك المياه.
في عظته، تناول يونان معنى عيد الظّهور الإلهيّ، فقال بحسب إعلام البطريركيّة: "عيد الدّنح، عيد الغطاس، وهو عيد كبير، عيد عماد الرّبّ يسوع وعيد ظهوره في نهر الأردنّ، والدّنح كلمة سريانيّة ܕܶܢܚܳܐتعني "الظّهور". فهو الرّبّ المسيح الّذي أعلنه الآب: هذا هو ابني الحبيب، وحلّ عليه الرّوح القدس بصورة حمامة ترفرف حتّى يخلّصنا. هذا العيد مهمّ جدًّا منذ بداية المسيحيّة، والكنيسة اللّاتينيّة تحتفل فيه بعيد ظهور يسوع المخلّص عندما أتى المجوس من بلاد الشّرق لكي يعبدوه ويقدِّموا له الهدايا. وكان هذا العيد يسمَّى في الشّرق عيد الظّهور الإلهيّ، فعدا عن أنّ المجوس اعترفوا بملوكيّة يسوع، في عماد يسوع في نهر الأردنّ كُشِفَ لنا السّرّ الإلهيّ، سرّ كلمة الآب الأزليّ الّذي أتى لخلاصنا".
وتأمّل بقول للقدّيس مار يعقوب السّروجي، ملفان الكنيسة السّريانيّة، وهو يجري مقارنة بين العذراء مريم والمعموديّة: «ܒܬܽܘܠܬܳܐܠܡܳܪܰܢܦܰܓܪܳܐܝܶܗܒܰܬ݀ܕܢܶܗܘܶܐܐ̱ܢܳܫܳܐ܆ܡܰܥܡܽܘܕܺܝܬܳܐܒܪܽܘܚܳܐܨܒܰܥܬܰܢܢܗܶܐܐܰܠܳܗ̈ܶܐ. ܬܰܪܬܶܝܢܐܶܡܗ̈ܳܢܠܰܢܘܰܠܡܳܪܰܢܐܺܝܬܚܰܕ̱̈ܬܳܬܳܐ܆ܠܡܳܪܰܢܡܰܪܝܰܡܐܳܦܠܰܢܕܺܝܠܰܢܡܰܥܡܽܘܕܺܝܬܳܐ». وترجمته: "البتول أعطت الجسد لربّنا كي يضحي إنسانًا، المعموديّة بالرّوح صبغَتْنا كي نصبح آلهة. كلاهما أُمّان، لنا ولربّنا، وقد جاءتا بالأمور الجديدة الفائقة: لربّنا مريم، والمعمودية لنا نحن".
وأضاف: "في هذا العيد نودّ أن نشكركم كلّكم على مشاركتكم في هذا الاحتفال المهمّ، علمًا أنّ كنيستنا هذه، كما ترون، كنيسة صغيرة، ففي سبعينيّات القرن العشرين، للأسف، كانت الأرض المقابِلة لنا هنا معروضة للبيع، وكنّا نتمنّى لو تملّكَتْها كنيستنا آنذاك، لكن للأسف لم نحصل عليها كي نبني كنيسة أكبر هنا في هذه المنطقة حيث يسكن كثيرون من أولادنا. لا نعرف ما كانت الظّروف في السبعينيّات، لكن في هذه الكنيسة الصّغيرة بدأ الصّلاة حينذاك سيادة المطران مار ربولا أنطوان بيلوني، وكان كاهنًا حينها، ولا نزال نستعملها كي نصلّي ونحتفل بالقداديس ونقيم الاحتفالات الكنسيّة، ونشكر الرّبّ على كلّ ما يعطينا ويسمح أن يواجهنا من صعوبات وتحدّيات كبيرة".
وأردف: "سمعنا من إشعيا النّبيّ، وهو من الأنبياء الأربعة الكبار الّذين نقرأ عادةً نبوءاتهم، يتكلّم عن المسيح المنتظَر الّذي سيأتي ويخلّصنا بآلامه وموته. وسمعنا من أخبار الرّسل، وهو الكتاب الخامس في العهد الجديد بعد الأناجيل الأربعة، والّذي كتبه لوقا الأنطاكيّ الّذي كان قريبًا جدًّا من مريم العذراء، وكتب أيضًا الإنجيل الثّالث المدعوّ إنجيل لوقا، ويخبرنا كيف أنّ أحد الأشخاص المهمّين من الحبشة في ذاك الوقت، تعمّد على يد الرّسول فيلبّس. تصوّروا أنّ الحبشة، اليوم إثيوبيا، أصبحت مسيحيّة منذ بداية عهد الرّسل، خاصّةً بكرازة هذا الشّخص الّذي كان مهمًّا في بلاط الملك، والّذي يبدو أنّه كان حبشيًّا يهوديًّا، أتى إلى أورشليم ليسجد في الهيكل، وعاد فأصبح مسيحيًّا، والكنيسة في إثيوبيا قديمة ومهمّة جدًّا.
سمعنا من مار بولس الذي كتب إلى تلميذه تيطس أنّ الرّجاء بالمسيح لا يخيب، إذا كنّا نعيش هذا الرّجاء بروح الله وبالطّاعة له وبقبول كلّ ما يسمح أن نمرّ به في حياتنا، لأنّنا ننتظره في مجيئه الثّاني، مهما كانت صعوباتنا. أمّا النّصّ الّذي سمعناه من إنجيل لوقا، فيتكلّم أوّلًا عن يوحنّا المعمدان، هذا الشّخص الّذي كانت أقرب إلى يسوع، وهو يشبهه في أمور عدّة، وقد كانت ولادته أعجوبيّة من رجل وامرأة مسنَّين وعاقرين، وعاش حياته متخلّيًا ومتجرّدًا في البرّيّة، ونال شرف الاستشهاد لأنّه كان يدافع دائمًا عن الحقيقة وينبّه الخطأة، مثل الملك آنذاك".
وأكّد يونان أنّ "يوحنّا كان يعلن للشّعب: لستُ أنا المسيح، ويعترف بكلّ تواضع أنّ المسيح هو الّذي سيأتي ويعتمد، والآب سيكشفه لنا، والرّوح القدس سيحلّ عليه. هذا الأمر يجعلنا نتيقّن أنّ علينا نحن، كأبناء وبنات الكنيسة، قبل كلّ شيء، أن نعيش حياتنا بالطّاعة للرّبّ وبالتّواضع، فلا نعتقد أنّنا بعلمنا أو ببعض الأمور الّتي نجحنا فيها، نصبح أفضل من غيرنا، بل علينا أن نحيا المحبّة الحقيقيّة الّتي تجمع ولا تفرّق".
وهنّأ البطريرك يونان "بهذه المناسبة السّيّد راني الّذي تميَّز وكرّمَتْه الكنيسة أن يكون عرّاب يسوع، إشبينًا في معموديّته، جريًا على التّقليد المتوارَث في كنائسنا السّريانيّة، فليباركه الرّبّ وعائلته".
وفي ختام كملته، شكر البطريرك يونان الإكليروس والعلمانيّين وهنّأهم بالعيد، سائلًا الرّبّ أن يحفظ الجميع "كي نكون كلّنا عائلة الرّبّ يسوع، نفتخر به وبعماده من أجل خلاصنا، ونشكره على كلّ إنعاماته علينا، بشفاعة أمّنا مريم العذراء، وجميع القدّيسين والشّهداء".
