يونان في رسالة عيد القيامة: السّلام لكم
""السّلام لكم" (يو20: 19)
1. مقدّمة
في مستهلّ رسالتنا بمناسبة عيد قيامة الرّبّ يسوع من بين الأموات، يطيب لنا أن نتقدّم بالأدعية الأبوية والتّهاني القلبيّة والتّمنّيات الخالصة بهذا العيد المجيد، إلى جميع إخوتنا الأجلّاء رؤساء الأساقفة والأساقفة الجزيلي الإحترام آباء السّينودس المقدّس لكنيستنا السّريانيّة الكاثوليكيّة الأنطاكيّة، وأولادنا الخوارنة والكهنة والشّمامسة والرّهبان والرّاهبات، وأبنائنا وبناتنا المؤمنين، اللّائذين بكرسينا البطريركيّ الأنطاكيّ، في لبنان وسوريا والعراق والأردنّ ومصر والأراضي المقدّسة وبلدان الخليج العربيّ وتركيا، وفي أوروبا والأميركيّتين وأستراليا.
والرّبَّ يسوعَ إلهنا ومخلّصنا الّذي غلب الموت بموته وقيامته، نسأل كي يهبنا فيض نعمه وبركاته، ويمنّ على عالمنا بعطيّة السّلام والأمان، في هذه الأيّام العصيبة والخطيرة. نضرع إليه كي تملك لغة الحوار الصّادق، فتنتهي الحروب والنّزاعات، وتتوقّف أعمال العنف والصّراعات، ويحلّ الاستقرار والطّمأنينة، ويسود الرّجاء والثّقة، لتنعم الشّعوب والمجتمعات والأوطان بحياة آمنة وبعيش كريم، ويعمَّ فرح القيامة على الجميع.
2. السّلام بين الوعد والتّحقيق
في مساء يوم القيامة، دخل يسوع القائم من بين الأموات إلى حيث كان التّلاميذ مجتمعين "والأبواب مُغلَقة خوفًا من اليهود"، وقال لهم: "السّلام لكم" (يو20: 19). "إنّها التّحيّة الأولى الّتي قالها المسيح القائم من بين الأموات، والرّاعي الصّالح، الّذي بذل حياته من أجل قطيع الله" (بركة قداسة البابا لاون الرّابع عشر لمدينة روما وللعالم، 8 أيّار 2025). وهذه الكلمة ليست تحيّة عابرة، بل هي إعلان لاهوتيّ عميق: المسيح القائم يهب سلامًا جديدًا، سلامًا يتجاوز الخوف والموت، ويؤسِّس حياةً جديدةً في الرّوح. إنّها كلمة تلخِّص معنى القيامة، وتفتح أمامنا أفقًا جديدًا للحياة مع الرّبّ.
السّلام في الكتاب المقدّس هو موضوع يمتدّ عبر العهدَيْن، القديم والجديد، ويحمل في طيّاته معنى أعمق من مجرَّد غياب النّزاع. ففي العهد القديم، يشير السّلام إلى الكمال والطّمأنينة والبركة والعيش في انسجام مع الله والآخرين. الله نفسه يمنح شعبه هذا السّلام، "يرفع الرّبّ وجهه عليك ويمنحك السّلام" (عدد6: 26). والنّبيّ إشعيا يعلن عن المسيح الآتي بوصفه "رئيس السّلام" (أش9: 6)، الّذي سيؤسِّس ملكوتًا لا نهاية له، فيما يذكّرنا كاتب المزمور أنَّ السّلام هو ثمرة العدل: "كثرة السّلام لمحبّي شريعتك" (مز119: 165). هكذا يظهر السّلام في العهد القديم عطيَّةً مرتبطةً بالعهد مع الله، بالعدل، وبحضور الرّبّ في وسط شعبه.
أمّا في العهد الجديد، فيأخذ السّلام بُعدًا جديدًا مع يسوع المسيح، الّذي هو ذاته يُضحي مصدر السّلام وموضوعه. يعلن يسوع لتلاميذه: "سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم. لا كما يعطي العالم أعطيكم أنا" (يو14: 27)، فيكشف أنَّ سلامه يختلف عن سلام العالم، لأنَّه ينبع من المصالحة مع الله، ويمنح طمأنينة داخليّة لا تُنتزَع البتّة.
السّلام في العهد القديم هو وعد الله لشعبه، مرتبط بالعدل والبركة، بينما في العهد الجديد يتحقّق هذا الوعد في شخص المسيح القائم، الّذي يقدّم سلامًا يتجاوز الخوف والموت، ويجعلنا أبناء الله وصانعي سلام في العالم. السّلام إذًا ليس مجرَّد حالة اجتماعيّة، بل هو حضور الله نفسه في حياة الإنسان، وهو عطيَّة القيامة الّتي تجعلنا نعيش في الرّجاء والفرح، مهما عصفت رياح الشّرّ وسطَ عالمنا الممزَّق.
3. سلام القيامة بأبعاده الثّلاثة
تحمل كلمة المسيح القائم "السّلام لكم" أبعادًا لاهوتيّة عميقة: فهي أوّلًا سلام المصالحة، إذ بموت المسيح وقيامته تمّت المصالحة بين الله والإنسان، على حدّ تعبير القدّيس بولس: "فإذ قد تبرَّرنا بالإيمان، لنا سلامٌ مع الله بربّنا يسوع المسيح" (رو5: 1). وهي ثانيًا، سلام الغَلَبَة على الخوف، إذ كان التّلاميذ خلف الأبواب المُغلَقة، لكنَّ المسيح دخل إليهم، وبدّد خوفهم، ومنحهم طمأنينة داخليّة لا يمكن للعالم أن يهبها (را. يو14: 27). وهي ثالثًا، سلام الرّسالة، فالمسيح لم يكتفِ بأن يهبهم سلامًا داخليًّا، بل أرسلهم للحال ليكونوا شهودًا له في العالم: "كما أرسلني الآب، أرسلكم أنا أيضًا" (يو20: 21). هذا السّلام إذًا ليس حالة سُكونيَّة أو حالة ركود، بل هو ديناميكيَّة تُحرِّك الكنيسة نحو العالم، فتصبح شاهدةً للقيامة ومبشِّرةً بالسّلام الحقيقيّ.
يتغنّى مار أفرام السّريانيّ بالتّلازم بين القيامة والسّلام والأمان: «ܓܰܢ̱ܒܳܪܳܐܩܳܡܡܶܢܩܰܒܪܳܐܘܚܰܕܺܝܠܰܐܪܥܳܐܘܠܰܫܡܰܝܳܐ܆ܘܰܐܦܨܰܚܠܰܐܪܒܰܥܦܶܢܝ̈ܳܬܳܐܒܝܰܘܡܳܐܪܰܒܳܐܕܰܩܝܳܡܬܶܗ... ܒܰܩܝܳܡܬܶܗܦܰܪܩܳܗ̇ܠܥܺܕ̱ܬܶܗܘܚܰܪܰܪܝܰܠܕ̈ܶܝܗ̇ܡܶܢܛܽܘܥܝܰܝ... ܡܫܺܝܚܳܐܡܰܠܟܳܐܕܰܫܠܳܡܳܐܕܰܙܪܰܥܫܰܝܢܳܐܒܰܒܪܺܝܬܳܐ܆ܫܰܪܰܪܠܥܺܕ̱ܬܳܟܩܰܕܺܝܫܬܳܐܕܬܶܙܡܰܪܫܽܘܒܚܳܐܠܛܰܝܒܽܘܬܳܟ»،وترجمته: "قام الجبّار من القبر وفرَّح الأرض والسّماء، وأبهج الجهات الأربع في يوم قيامته العظيم... بقيامته خلّص كنيسته وحرّر أولادها من الضّلال... أيّها المسيح، ملك السّلام الّذي زرع الأمان في المسكونة، ثبِّت كنيستك المقدّسة لترنّم المجد لنعمتك" (من باعوث أيّ طلبة مار أفرام، صلاة السّاعة التّاسعة من صباح ثلاثاء القيامة والخدمة الثّانية من صلاة ليل الأحد الجديد، كتاب الفنقيث ܦܢܩܝܬܐ،الجزء الخامس، صفحة 389 و476).
4. السّلام في ضوء القيامة
"حيّا المسيح القائم من بين الأموات تلاميذه المجتمعين بكلمة السّلام: "السّلام لكم". إنّها الكلمة الأولى لرسالته الفصحيَّة. ما أكبرَ الخير الكامِن في هذا السّلام الّذي يعطينا إيّاه الرّبّ وحده، والّذي لا يستطيع العالم أن يعطيه" (القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني، رسالة عيد الفصح 1979). السّلام الّذي يعطيه يسوع يختلف جذريًّا عن سلام العالم، فسلام العالم غالبًا ما يكون آنيًّا وظرفيًّا، قد تطغى عليه المصالح، فتخنقه أو تفرغه من معناه. أمّا سلام يسوع فهو دائم وكامل، يتجاوز حدود الزّمان والمكان. هذا السّلام هو عطيَّة القيامة، إذ يفيض من قلب المسيح المنبعث والّذي غلب الموت فاتحًا لنا طريق الحياة.
كم نحن بأمسّ الحاجة أن نسلِّم حياتنا للرّبّ، لاسيّما في هذه الأيّام الصّعبة والأليمة على الكثيرين، كي يدحرج هو كلّ حجر يعترض سبيلنا، ويفتح أمامنا طريق السّلام الحقيقيّ، "لستُ أنا الّذي يحيا بل هو المسيح الّذي يحيا فيَّ" (غلا2: 20)، فنعاين فرح المسيح القائم ونتّحد معه. وما نعيشه اليوم في شرقنا وبلادنا وعالمنا من حروب واضطرابات هو خير دليل على محوريّة السّلام وضرورة نشره من حولنا. فنحن الّذين "دُعِيَ اسمُ يسوع علينا" (را. أع15: 17)، وَجَعَلَنا "أحبّاءه" (را. يو15: 15)، لا تُخيفنا محنة، ولا تُرهِبنا حرب، ولا تنال من عزيمتنا شدّة، بل نقهرها جميعها بالسّلام الّذي يفيض من قلب المسيح القائم.
"هذا هو سلام المسيح القائم من بين الأموات، إنّه سلام مجرَّد من السّلاح، وسلام يُجرِّدُ من السّلاح، ومتواضع ومثابر. إنّه سلام يأتي من الله، الّذي يحبّنا كلّنا من دون شروط" (بركة قداسة البابا لاون الرّابع عشر، 8 أيّار 2025). ما أحوجَنا اليوم إلى هذا السّلام، السّلام غير المصنوع بأيدٍ بشريّة، بل النّابع من قلب الرّبّ الرحوم الّذي "يُشرِق شمسه على الأشرار والأبرار" (مت5: 45).
وها هو مار يعقوب السّروجيّ يؤكّد على أنّ ذبيحة الإبن الكفّارية منحت العالم الأمان والسّلام برحمة الله وحنانه: «ܫܽܘܒܚܳܐܠܰܐܒܳܐܕܫܰܕܰܪܠܰܒܪܶܗܨܶܝܕܚܰܛܳܝ̈ܶܐ܆ܘܣܶܓܕܬܳܐܠܰܒܪܳܐܕܰܗܘܳܐܕܶܒܚܳܐܚܠܳܦܡܰܪܥܺܝܬܶܗ܆ܬܰܘܕܺܝܠܪܽܘܚܳܐܕܫܰܝܶܢܥܳܠܡ̈ܶܐܒܝܰܕܪܽܘܚܳܦܶܗ܆ܒܪܺܝܟܗ̱ܘܡܳܪܝܳܐܕܰܦܪܰܩܟܽܠܳܐܒܰܕܡܳܐܚܰܣܝܳܐ»،وترجمته: "المجد للآب الّذي أرسل ابنه إلى الخطأة، والسّجود للإبن الّذي أضحى ذبيحةً في سبيل رعيّته، الشّكر للرّوح الّذي أمّن العالم برأفته، مباركٌ هو الرّبّ الّذي خلّص الكلّ بالدّم الطّاهر" (من باعوث أيّ طلبة مار يعقوب السّروجيّ، صلاة السّاعة الثّالثة من بعد ظهر سبت البشائر (النّور)، كتاب الفنقيث ܦܢܩܝܬܐ،الجزء الخامس، صفحة 320-321).
5. القيامة تُغيِّر حياتنا اليوميّة
يقول البابا فرنسيس: "إنَّ قيامة المسيح هي قوّتنا!" (المقابلة العامّة، 3 نيسان 2013). القيامة هي حجر الأساس في إيماننا المسيحيّ، فهي ليست فقط برهانًا على ألوهيَّة المسيح، بل هي أيضًا محور رجائنا. إنّها تؤكّد أنَّ الموت لم يَعُد نهاية، بل بداية لحياةٍ جديدةٍ في المسيح، وأنَّ كلَّ من يؤمن بيسوع يدخل في ديناميكيَّة القيامة الّتي تُحوِّل الوجود البشريّ من الخوف واليأس إلى الطّمأنينة والرّجاء. القيامة ليست حدثًا نؤمن به فقط، بل هي واقع روحيّ ورعويّ يُغيِّر حياتنا اليوميّة.
القيامة تدعونا كي نكون شهودَ سلامٍ في عالمٍ ممزَّق بالحروب والانقسامات، فنحمل كلمة المسيح "السّلام لكم" إلى كلّ من يعيش في خوف أو اضطراب، ونصير صانعي سلام، طبقًا لقول الرّبّ: "طوبى لصانعي السّلام فإنَّهم أبناء الله يُدعَون" (مت5: 9). وهي تدعونا أيضًا إلى الرّجاء وسط الأزمات، لأنَّ المسيح القائم هو الضّمانة على أنَّ الموت ليس النّهاية، وأنَّ الظّلمة لا تستطيع أن تُطفِئَ نور القيامة.
"هدم المسيح جدار الموت، ففيه يسكن كلّ ملء الله، الّذي هو الحياة، الحياة الأبديّة. لذلك لم يكن للموت سلطان عليه" (البابا بنديكتوس السّادس عشر، التّبشير الملائكيّ، 10 نيسان 2011). يسوع هو الحياة، وقد أظهر ذلك مرارًا من خلال عجائبه الّتي تشكِّل علامات مُسبَقة على قيامته هو، وعلى الحياة الجديدة الّتي يهبها لكلِّ مَن يؤمن به. إنّه الخالق الّذي بكلمته يُوجِد الحياة، وهو الّذي "بكلمته يقوم الجميع" (سيراخ 43: 28). فكلمة الله تحيي النّفوس والقلوب بفرح روحيّ غامر، وتفتح أمامنا رجاء القيامة العامّة، حيث يشارك الجميع في حياة المسيح الجديدة. كما تدعونا القيامة إلى الرّسالة، فنحمل نور المسيح إلى الآخرين، مقتدين بمريم المجدليّة الّتي حملت البشرى الأولى وهي تقول: "رأيتُ الرّبّ" (يو20: 18). القيامة إذًا دعوة ملحّة لنعيش كأبناء النّور، ونكون شهودًا للسّلام والرّجاء في حياتنا الشّخصيّة والجماعيّة، في العائلة والكنيسة والمجتمع والوطن.
عيد القيامة يعلن أنّ المسيح هو "الألف والياء، الأوّل والآخر، البداية والنّهاية" (رؤ22: 13). كلمة "السّلام لكم" هي دعوة لنا لنعيش في سلام داخليّ، ونبني سلامًا في قلوبنا لنعلنه حولنا، ونشهد أنَّ الحياة أقوى من الموت، وأنَّ المحبَّة أقوى من كلّ خطيئة. فلنستقبل معًا هذا السّلام، ولنحمله إلى العالم، لنصبح نحن أيضًا شهودًا للقيامة والسّلام والرّجاء!
وما أجمل ما فاه به القدّيس مار يعقوب السّروجيّ عن الأمان والسّلام والفرح المنبعث من قيامة الرّبّ الخلاصيّة: «ܒܪܺܝܟܗ̱ܘܥܺܐܕܳܟܕܫܰܝܶܢܐܰܪܥܳܐܥܰܡܥܳܡܽܘܪ̈ܶܝܗ̇܆ܒܪܺܝܟܳܐܗ̱ܝܩܝܳܡܬܳܟܕܒܳܗ̇ܐܶܬܦܰܨܚܰܬ݀ܥܺܕ̱ܬܳܐܘܝܰܠܕ̈ܶܝܗ̇. ܒܪܺܝܟܢܽܘܚܳܡܳܟܕܰܐܚܪܶܒܠܰܫܝܽܘܠܘܰܐܦܶܩܡܺܝ̈ܬܶܝܗ̇܆ܫܽܘܒܚܳܐܠܚܰܝܠܳܟܕܣܰܚܦܶܗܠܡܰܘܬܳܐܘܰܐܦܶܠܬܳܓܶܗ»،وترجمته: "مباركٌ هو عيدكَ الّذي أمّن الأرض وقاطنيها، مباركةٌ هي قيامتكَ الّتي بها ابتهجت الكنيسة وأولادها. مباركٌ انبعاثكَ الّذي دَكَّ الهاوية وأخرج مائتيها، المجد لقوّتكَ الّتي صرعت الموت وأسقطت تاجه" (من باعوث أيّ طلبة مار يعقوب السّروجي، صلاة صباح ثلاثاء القيامة، كتاب الفنقيث ܦܢܩܝܬܐ،الجزء الخامس، صفحة 387).
6. صدى العيد في عالمنا اليوم
يجتاز العالم عامّةً، ومنطقة الشّرق الأوسط بشكل خاصّ، مرحلة خطيرة من جرّاء الحرب الّتي تعصف بها، بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بحيث يغيب السّلام ليحلّ مكانه ضجيج الأسحلة وأزيز الرّصاص ودويّ المدافع والصّواريخ، ويسود الدّمار والخراب، ويعمّ القتل والتّشريد. لكن في وسط هذه العاصفة الهوجاء، يلوح في الأفق بريق الأمل والرّجاء المنبعث من القبر الفارغ، من يسوع القائم والحامل بشرى السّلام، ليشدِّد ضعفنا ويعزّينا في محنتنا.
يشهد لبنان في المرحلة الرّاهنة أزمة معقَّدة وخطيرة للغاية، تتداخل فيها الأبعاد السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. فمؤسَّسات الدّولة تعاني من ضعف في الفاعليّة وشلل في اتّخاذ القرار نتيجة الانقسامات الدّاخليّة، ما ينعكس سلبًا على الإستقرار العام. بسبب الأزمة الماليّة الّتي لم تنتهِ فصولها بعد، يعيش اللّبنانيّون واحدة من أشدّ الأزمات في تاريخهم، فضلًا عن الحرب الّتي ورّطهم فيها فريقٌ رغمًا عن إرادة الدّولة وسائر أبناء الوطن، فارتفعت معدَّلات الفقر والنّزوح والهجرة، وبخاصّة في صفوف الشّباب وذوي الكفاءات. وسرعان ما جاءت تداعيات هذه الحرب العبثيّة لتفاقِم هذا الواقع، عبر سقوط عدد كبير من الضّحايا الّتي تعتصر عليها قلوبنا ألمًا، مع تدمير لبنى تحتيّة وقرى بأكملها، وتعطيل لقطاعات إنتاجيّة حملت آمالًا. كما أدّت إلى موجات تشرُّد ونزوح داخليّة أثقلت كاهل المجتمعات المحلّيّة ذات الخدمات المحدودة أصلًا.
أمّا سياسيًّا، فإنّ الحرب الهمجيّة بين حزب الله وإسرائيل، والمفروضة على البلد والمرفوضة من قِبَل الشّعب والدّولة، أدّت إلى طرح مسألة السّيادة والسّلاح ودور الدّولة في حماية أراضيها، وتفاقمت الانقسامات بين اللّبنانيّين حول خيارات الحرب والسّلم، بالرّغم من القرارات الجريئة والاستثنائيّة الّتي اتّخذتها الحكومة بحصر السّلاح بيد الشّرعيّة اللّبنانيّة وحدها دون سواها، ممّا أدّى إلى النّزاع بين منطقين متناقضين، منطق سيادة القانون، ومنطق الدّويلة. ومع ذلك، لا تزال إرادة الصّمود قائمة، مدفوعة بإيمان الغالبيّة السّاحقة من اللّبنانيّين بقدرتهم على النّهضة ببلدهم. وفي هذا الظّرف بالذّات، نثني على هذه الخطوات غير المسبوقة، والّتي اتّخذها فخامة رئيس الجمهوريّة ومجلس الوزراء، والّتي لا بدّ منها لقيام دولة سيّدة وديمقراطيّة. ونشدِّد على أنّ رجاءنا راسخ بالقيامة المنبعثة من ملك السّلام، لتعود للدّولة هيبتها وللمواطن كرامته.
أمّا سوريا، فهي تعيش مرحلة انتقاليّة، إذ يحاول النّظام الجديد إعادة تصحيح العلاقات مع مختلف الدّول العربيّة ومع المجتمع الدّوليّ، لاسيّما بعد رفع العقوبات عنها وحصولها على دعم لإعادة الإعمار. كما أنّ هناك تحدّيات كبرى يجابهها المواطنون على مستويات عدّة، وبخاصّة أمنيًّا واقتصاديًّا. أمّا أبناء الوطن من المسيحيّين، فلا يزال وجودهم مرتبطًا بمستوى الاستقرار الأمنيّ في مناطقهم، وهذا ما يجعلهم في حالة ترقُّب للمسار الّذي ستؤول إليه الأمور في سوريا، إلّا أنّهم متجذّرون في أرضهم وثابتون في تمسُّكهم بالبقاء فيها مع كلّ ما يواجهونه من صعوبات، فهم مكوِّن أصيل ومؤسِّس في نسيج الوطن وحضارته. من هنا، نطالب السّلطة السّياسيّة بالعمل على سنّ دستور جديد وقوانين تضمن المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات، والمشاركة الفاعلة في الدّولة والخدمة العامّة.
وفي العراق، يتطلّع جميع مكوّنات الوطن إلى اكتمال السّلطة السّياسيّة الجديدة الّتي ينتظرون منها أن تقود شؤون الوطن بالنّزاهة والحكمة والفطنة والحياد التّامّ عن الصّراعات الإقليميّة والدّوليّة، لاسيّما في هذه الظّروف الدّقيقة الّتي تمرّ بها منطقة الشّرق الأوسط، مؤكّدين على تجذُّر المكوِّن المسيحيّ في أرضه رغم الأوضاع الصّعبة والخوف على المستقبل والمصير. فالمسيحيّون المتأصِّلون في أرض الرّافدين الحضاريّة، جُلّ همّهم أن يبقوا في وطنهم ويخدموه بالمساواة الكاملة مع شركائهم، وبروح المواطنة الحقّة الّتي تجعل الجميع يشعرون بالكرامة والاستقرار والطّمأنينة.
والأراضي المقدّسة الّتي شهدت ميلاد الرّبّ يسوع وتدبيره الخلاصيّ وآلامه وموته وقيامته، لا تزال تعاني من حرب ضروس تهدّدها بمكوّناتها كافّةً، ممّا يضاعف المعاناة ويعمّق الآلام، وليس آخرها منع المؤمنين من إحياء الاحتفالات الكنسيّة بالأعياد الفصحيّة في كنيسة القيامة، إلّا أنّ هذا لن يثنيهم عن البقاء راسخين في أرضهم. نسأل الله أن يبسط أمنه وسلامه في أرضه الّتي عليها حلّت بشرى السّلام وانتشرت إلى العالم بأسره، لتستمرّ فيها الشّهادة الحيّة لاسمه القدّوس.
وفي مصر والأردنّ، نثمِّن الجهود الّتي تقوم بها الدّولة في كلٍّ من هذين البلدين لتعزيز حضور أبنائنا، بتوفير الحياة الكريمة والآمنة لهم أسوةً بإخوتهم في الوطن.
وفي بلدان الخليج العربيّ، والّتي نثني على احتضان السّلطات الرّسميّة فيها لأبناء المكوِّن المسيحيّ والحرص على صون حرّيّتهم في عيش إيمانهم بروح الانفتاح والتّآخي، نستنكر ما تتعرّض له مناطق ومدن عدّة في هذه البلدان من هجمات عبثيّة متأتّية من الحرب الدّائرة، والّتي ألحقت الأضرار الجسيمة بأمن المواطنين واقتصادهم وعيشهم، ونضرع إلى الرّبّ من أجل استتباب الأمن والسّلام فيها.
وفي تركيا، نعرب عن اعتزازنا بأبنائنا الّذين يتابعون تأدية الشّهادة للرّبّ والمحافظة على وديعة الإيمان واللّغة والتّراث في أرض الآباء والأجداد، رغم التّحدّيات الكثيرة، فهم الشّهود على إرث آبائنا الميامين والحماة لهذا الكنز الثّمين.
أمّا أبناؤنا وبناتنا في بلاد الانتشار، في أوروبا والأميركيّتين وأستراليا، فيطيب لنا أن نتوجّه إليهم بمحبّة أبويّة، مقدّرين الجهود الّتي يبذلونها وهم يسعون للمحافظة على الإيمان بالرّبّ يسوع، والالتزام بكنيستهم الأمّ وطقوسها وتقاليدها السّامية، والتّمسُّك باللّغة السّريانيّة، والغيرة على المبادئ والقِيَم الأصيلة الّتي نشأوا عليها وحملوها معهم من الشّرق، وفي طليعتها صيانة العائلة وقدسيّتها، وتربية أولادهم تربية مسيحيّة صالحة ووطنيّة أصيلة، لكي يغدوا صانعي مستقبل زاهر، مع الإخلاص للأوطان الجديدة التي احتضنتهم وفتحت الآفاق أمامهم.
كما نحثّ أبناءنا وبناتنا في بلاد الانتشار على القيام بأعمالٍ ومبادرات محبّةٍ يمليها عليهم حسّهم الأخويّ وانتماؤهم العائليّ والكنسيّ، فيساهموا قدر استطاعتهم في دعم الكنيسة والمؤمنين في بلاد الشّرق، حيث تكبر المعاناة، وتتفاقم التّحدّيات، وتزداد الحاجات المادّيّة، متذكّرين ما جاء في سفر أعمال الرّسل: "فعزمَ التّلاميذ أن يُرسِلوا حسبما يتيسّرُ لكلّ واحدٍ منهم، إسعافًا للإخوة المُقيمين في اليهوديّة" (أع11: 29).
ولا يغيب عن بالنا أن نكرّر المطالبة بحلّ كلّ نزاع في العالم بالحوار والتّفاوض والتّفاهم، وخاصّةً من أجل انتهاء الحرب بين أوكرانيا وروسيا، وقد طال أمدها، وخلّفت الدّمار، بشرًا وحجرًا.
كما نجدّد مطالبتنا بالإفراج عن جميع المخطوفين، من أساقفةٍ وكهنةٍ وعلمانيّين، سائلين الله أن يرحم الشّهداء، ويمنّ على الجرحى والمصابين بالشّفاء التّامّ. ونعرب عن مشاركتنا وتضامننا مع آلام ومعاناة المرضى والمعوَزين والمهمَّشين والمستضعَفين، وكلّ العائلات الّتي يغيب عنها فرح العيد بسبب فقدان أحد أفرادها، ضارعين إلى الله أن يفيض عليهم نِعَمَه وبركاته وتعزياته السّماويّة.
7. خاتمة
إنّ خير ما نختم به صلاة نقتبسها من الطّلبات في نافور القدّيس مار أوسطاثيوس بطريرك أنطاكية: «ܫܰܟܶܢܡܳܪܝܳܐܓܗܳܝܬܳܐܡܫܰܡܠܰܝܬܐܕܡܶܢܩܪ̈ܳܒܶܐܘܰܫܓܽܘ̈ܫܝܶܐܘܚܺܐܦ̈ܶܐܒܰܪܒܪ̈ܳܝܶܐܠܟܽܠܶܗܥܰܡܳܐܕܺܝܠܳܟܡܗܰܝܡܢܳܐ܆ܐܳܘܡܳܪܝܳܐ. ܘܰܒܫܰܝܢܳܐܘܒܰܫܠܳܡܳܐܕܡܶܢܳܟܢܰܛܰܪܠܟܽܠܳܗ̇ܡܶܬܥܰܡܪܳܢܺܝܬܳܐ܆ܐܰܝܟܰܢܳܐܕܰܒܗܺܝܠܳܐܺܝܬܢܫܰܒܚܳܟ»،وترجمتها: "إمنح، يا ربّ، شعبك المؤمن خلاصًا تامًّا من الحروب والفِتَن والغارات الهمجيّة، وصُن المعمورة كلّها بأمنك وسلامك، لنسبّحك بطمأنينة".
وفي الختام، نمنحكم أيّها الإخوة والأبناء والبنات الرّوحيّون الأعزّاء، بركتنا الرّسوليّة عربون محبّتنا الأبويّة. ولتشملكم جميعًا نعمة الثّالوث الأقدس وبركته: الآب والإبن والرّوح القدس، الإله الواحد. وكلّ عام وأنتم بألف خير.
ܡܫܺܝܚܳܐܩܳܡܡܶܢܒܶܝܬܡܺܝ̈ܬܶܐ... ܫܰܪܺܝܪܳܐܺܝܬܩܳܡالمسيح قام من بين الأموات... حقًّا قام."
