على نيّة السّلام في العالم، تلا المؤمنون حول العالم، مع البابا لاون الرّابع عشر صلاة المسبحة الورديّة، بمشاركة مزارات عالميّة، من بينها دير مار مارون- عنّايا، في علامة كنسيّة جامعة تعبّر عن وحدة الصّلاة والرّجاء عبر القارّات.
وفي التّفاصيل، ترأّس الأب الأقدس الصّلاة في مغارة سيّدة لورد، بحدائق الفاتيكان، مساء السّبت، في ختام الشّهر المريميّ، بمشاركة الحجّاج والمؤمنين.
وخلال الصّلاة، كانت للبابا كلمة شدّد فيها على أنّ الرّجاء يبقى حاجة ملحّة في زمن يتّسم بالعنف وعدم الاستقرار، داعيًا إلى الإصغاء العميق لكلمة الله لفهم مسار التّاريخ في ضوء عنايته المستمرّة. كما أشار إلى العذراء مريم كنموذج للإيمان الّذي يصغي بثقة، ويستقبل عمل الله بطاعة كاملة. وقال بحسب “فاتيكان نيوز”: “”إِنِّي أَسْمَعُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ اللهُ الرَّبُّ، لأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِالسَّلاَمِ لِشَعْبِهِ وَلأَتْقِيَائِهِ، وَلِلسَّالِكِينَ إِلَيْهِ بِالثِّقَة”. إنّ كلمات المزمور ترافق صلاتنا لمسبحة الورديّة هذا المساء بشكل جميل؛ لأنّها تعبّر عن الرّجاء الّذي نشعر أنّنا بأمسّ الحاجة إليه، لاسيّما أمام صعوبات العصر الحاليّ وأعمال العنف فيه. لنتهيّأ إذن بقلوبنا للإصغاء إلى كلمة الله، لكي نتمكّن في الصّلاة من فهم مغزى ما يحدث في التّاريخ، معترفين بعناية الله الّتي تقوده دائمًا وتغيثنا. إنّ العذراء مريم هي مثال المؤمن الّذي يرهف سمع قلبه ليصغي إلى “ما يتكلّم به الله”. وهي قدوة لنا بطاعتها الّتي قبلت تجسّد ابن الله في أحشائها.
إنّ تأمّل أسرار مسبحة الورديّة مع مريم يقودنا إلى الاعتراف بأنّ يسوع المسيح هو الكلمة الوحيدة والنّهائيّة الّتي نطق بها الآب، كلمة سلام لجميع الّذين يعودون إليه بقلب نادم. إنّ الرّبّ لا يتركنا أبدًا، حتّى عندما ننساه، وحتّى عندما نضلّ الطّريق، فهو يأتي للبحث عنّا ويقترب منّا بمحبّته الأزليّة. وكما يذكّرنا النّبيّ أشعيا: “وَأَخْلُقُ عِنْدَهُ ثَمَرَةَ الشَّفَتَيْنِ: السَّلَامُ، السَّلَامُ لِلْبَعِيدِ وَلِلْقَرِيبِ”. فمن يضع ثقته في الله يفهم إعلان السّلام هذا ويصبح من صانعيه، ويبنيه بيديْه.
فالسّلام، في واقع الأمر، ليس نظريّة تخضع للفحص في المختبر، ولا هو وهم ساذج، ولا صفقة تُدار من أجل مصلحة؛ بل هو، عندما ننشده بقلب صادق، التزام يوميّ في حياتنا: ينبع من العدالة والمحبّة، كوئام يجمع بين الأشخاص، والعائلات، والجماعات، والشّعوب. وحتّى في هذا الزّمن المليء بالتّوتّرات والصّراعات، يصبح السّلام ممكنًا عندما تتوفّر الإرادة للإصغاء إلى صراخ الّذين حُرموا منه: الأطفال الأبرياء، الأمّهات والآباء المكروبين، الأسرى الّذين يُعاملون بسوء، اللّاجئين، والمتألّمين من جميع الأعمار. وهؤلاء جميعًا ليس على شفاههم سوى كلمة واحدة: السّلام!
ونحن نعلم ذلك: السّلام ممكن دائمًا لأنّه عطيّة من الله. هذا السّلام، سلامه هو، يحمل وجه يسوع المسيح، ابن الله، الّذي صالح السّماء والأرض بحياته الّتي بذلها من أجلنا. وكما يكتب الرّسول بولس: “فَإِنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا”: هو الّذي يهدم حواجز العداوة، ويقهر الغطرسة بالتّواضع، ويفتدي الخليقة بأسرها من الخطيئة.
عندما يكون الرّبّ يسوع معنا ونتصرّف كتلاميذ حقيقيّين لمحبّته، يستطيع الرّوح القدس عندئذٍ تحقيق ما يبدو مستحيلًا من منظور بشريّ. أمّا عندما يبتعد الإنسان عن الله، فإنّه يبتعد أيضًا عن أخيه الإنسان، عن قريبه، ويقف غير مبالٍ بآلامه. وفي كلّ مرّة نعود فيها إلى الرّبّ، يصبح سلامه التزامًا علينا، كلٌّ بحسب مهامه ومسؤوليّاته.
وبذلك تتحوّل صلاتنا إلى رسالة ونبوءة: فلا ينبغي بعد اليوم أن يكون هناك بكاء أبرياء في مدننا؛ ولا ينبغي لأحد أن يفرّ من بيته تحت تهديد القنابل؛ وستفسح شهوة السّلطة وعنف الكلمات المجالَ للعطش إلى العدالة والحقّ. غير أنّه بإمكان كلّ فرد، بل ومن واجبه، أن يؤدّي دوره، بدءًا من الأمور الصّغيرة ولكن الهامّة، بالامتناع عن أيّ عنف لفظيّ أو جسديّ في الحياة اليوميّة، وكذلك عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، إنّ السّلام الحقيقيّ يبدأ في قلبٍ يحبّ؛ وتشهد له شفاه تنطق بكلمات المصالحة؛ وينعكس في عيون تنظر إلى العالم بوداعة وحكمة. هذه هي القوّة الحقيقيّة، قوّة الحقّ والمحبّة. إنّ الله يبحث عن صانعي سلام! فلتساعدنا أمّنا الكلّيّة القداسة على أن نجيبه كلّ يوم بكلمة “هاءنذا”، لا بالقول بل بالفعل.”



