7 يونيو 2026
مقالات

الأب محفوض: عيد جميع القدّيسين!

في الأحد الأوّل بعد عيد العنصرة، تحيي الكنيسة الأرثوذكسيّة عيد جميع قدّيسيها. وللمناسبة، نغوص مع خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض في جوهر القداسة والقدّيسين، في السّطور التّالية:

“بل كما هو القدّوس الذي دعاكم، فكونوا أنتم أيضًا قدّيسين في كلّ سيرة “. (1 بطرس 1: 15)

اليوم تعيّد كنيستي الأرثوذكسيّة المقدّسة الجامعة لجميع قدّيسيها، الذي يقع دائمًا في الأحد الأوّل من  بعد عيد العنصرة المجيدة.

إنّ القداسة فضيلةٌ تشمل جميع الفضائل الأخرى. ولذلك، القدّيس هو الإنسان المتحلّى بجميع الفضائل. ولكن إن كان الإنسان مُصلّيًا وليس رحيمًا، فلا يُمكن اعتباره قدّيسًا. أو إن صمد الإنسان دون إيمان ورجاء، فلا يُمكن إحصاؤه من القدّيسين. أو إن كان الإنسان رحيمًا جدًا دون إيمان بالله حقًّا، فلا يُمكن إحصاؤه من القدّيسين. القدّيس هو إنسان كامل كآدم في الفردوس؛ أو حتّى أفضل، كآدم الجديد، الرّبّ يسوع المسيح.

هذا هو القدّيس فوق القدّيسين. هذا هو بذار القداسة على الأرض. لقد دعانا يسوع المسيح إلى كرامة القدّيسين. وأرانا مثال القدّيس الحقيقيّ. إنّه نموذج القدّيسين كما هو نموذج الإنسان. الإنسان الحقيقيّ، لا يعني شيئًا آخر سوى القدّيس. القدّيس والإنسان هما الشّيء نفسه. لقد أرانا معنى أن تكون إنسانًا وقدّيسًا. يأمرنا الرّسول بطرس: “كونوا أنتم أيضًا قدّيسين في كلّ سلوككم!”. ليس القدّيس قدّيسًا في جانب واحد من حياته، بل في كلّ جانب من جوانبها. يجب أن نكون قدّيسين في كلّ عمل وجانب من حياتنا لنُحسب مع القدّيسين، أيّ بين البشر، على مثال القدّيسين ومثال الإنسان الأعظم، الرّبّ يسوع المسيح.

في اللّاهوت الآبائيّ الأرثوذكسيّ لا يوجد تمييز بين القدّيسين والآباء. فبالنسبة لآباء الكنيسة، القدّيسون هم آباء والآباء هم قدّيسون. هل الذين بلغوا المجد وأصبحوا قدّيسين حقيقة أم ليسوا حقيقة؟ هذه هي المسألة الجوهريّة.

المفهوم السّائد حاليًّا هو أنّ من كان إنسانًا صالحًا، ملتزمًا بالقانون، وما إلى ذلك، فهو مسيحيّ صالح وقدّيس مُحتمل. في هذه الحالة، جميع أجدادنا وجدّاتنا قدّيسون مُحتملون، وفقًا لمعايير الأخلاقيّين. قد يرى من لديه تصوّر أخلاقيّ للقداسة الأمور بهذه الطّريقة.

في اللّاهوت الآبائيّ الأرثوذكسيّ، هناك مفهوم آخر. كلّ من شُفي هو قدّيس. القدّيس في التّقليد الآبائيّ يعني ببساطة من شُفي. يعني من تطهّر ووصل إلى الاستنارة، ومن الاستنارة إلى التّمجيد. لقد شُفي، وبالتّالي فهو قدّيس.

لهذا السّبب، في الكنيسة الأولى، كانوا يُطلقون على بعضهم البعض لقب “قدّيسين”، حتّى قبل وفاتهم. لماذا سُمّي المسيحيّون قدّيسين – قدّيسي تسالونيكي، وقدّيسي كورنثوس، وغيرهما – ولماذا سُمّوا الأحياء قدّيسين؟ لماذا؟ لأنّ أعضاء الكنيسة في العصور الأولى كانوا في حالة استنارة. كانت لديهم على الأقل صلاة روحيّة، ولأنّهم كانوا يصلّون روحيًّا وكانوا في حالة استنارة، فقد سُمّوا قدّيسين…

يقول الأب المغوط  يوحنّا رومانيدس  بهذا الخصوص: ” إنّ حياة الشّهداء الجدد دليل على أنّ حالة الاستنارة، كما كانت قائمة في الكنيسة الأولى خلال سنوات الاضطهاد، استمرّت كقلب الأرثوذكسيّة في سنوات الحكم التّركيّ. إنّ قدرة المؤمنين على الاستشهاد هي ما أنقذ الأرثوذكسيّة في سنوات الحكم التّركيّ، فلم يعتنق جميع الرّومان [اليونانيّين] الإسلام. لماذا لم يعتنق الأقلّيّة القليلة المتبقيّة الإسلام؟ لقد كانت لديهم ثقة كبيرة بقدّيسي الكنيسة، بأنّهم حاملو النّعمة الإلهيّة، وأنّ القدرة الإلهيّة موجودة بالفعل فيهم. وما هي القدرة الإلهيّة؟ إنّها هذه القدرة على الاستشهاد والتّعذيب الجسديّ حتى لا ينكروا المسيح”. هذا هو دليل الإيمان الحقيقيّ… معيار الأرثوذكسيّة هو النّجاح. ما المقصود بالنّجاح؟ النّجاح هو أن ينتقل المرء من التّطهير إلى الاستنارة، وصولًا إلى المجد، إمّا في الدّنيا أو في الآخرة. لذا، يُحكم على اللّاهوت الصّحيح بنجاحه، ويُحكم على التّطبيق الصّحيح لهذا اللّاهوت العلاجيّ بمدى نجاح الأسقف، ورجال الدّين عمومًا، في عملهم. لذا، يمكن القول إنّ المعيار الأساسيّ للأرثوذكسيّة هو أحد جميع القدّيسين… أنبياء ورسل وقدّيسي الكنيسة هم مرجعنا في ما يتعلّق بالله. نؤمن بالله من خلالهم. لا يمكننا أن نختبر الله مباشرةً إلّا إذا بلغنا مرحلة الاستنارة والاتّحاد أو التّمجيد في حياتنا الرّوحيّة.”