اليوم بادل الشّعب البطريرك، الّذي عمل من أجل كلّ الشّعب في لبنان، محبّته، فشرّعت البلدات أبوابها لاستقبال ذخائره بمشهد يعكس حفاوة الاستقبال اللّبنانيّ والفرح العظيم بنِعَم السّماء الّتي فاضت بالأمس مع إعلان البطريرك الياس الحويّك طوباويًّا.
فمنذ الصّباح، وبتنظيم من جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات، غادرت ذخائر الطّوباويّ الجديد الدّيمان، هذا الصّرح الّذي ارتبط به اسمه منذ التّأسيس، في مسيرتها، الّتي واكبتها تيلي لوميار مباشرة طيلة النّهار، نحو عبرين مقرّ جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات الّتي أبصرت النّور بهمّته، وذلك بعد وقفة صلاة عند وادي قنّوبين المقدّس.
الموكب انطلق برفقة النّائب البطريركيّ العامّ وطالب دعوى إعلان التّطويب المطران حنّا علوان وراهبات العائلة المقدّسة، بمشاركة شبيبة كاريتاس، وأخويّات الطّلائع والفرسان.
وبين الدّيمان وعبرين، محطّات توقّف فيها موكب الذّخائر وسط استقبال شعبيّ مهيب عكس روح الإيمان والفرح والحبّ والشّكر لبطريرك لطالما حمل لبنان في قلبه وعلى كتفيه.
المشهد توحّد في مختلف البلدات: مسؤولون روحيّون وزمنيّون، كبار وصغار، عائلات وأفراد، إكليروس وعلمانيّون احتشدوا عند مداخل البلدات، واستقبلوا زائرهم بالتّهليل والزّغاريد ونثر الورود والأرزّ وقرع الأجراس والطّبول، والتّرنيم والرّقص، والعلم اللّبنانيّ يرفرف متأهّلًا ببطريرك لبنان الكبير.
بعد الدّيمان، توقّف الموكب في حدث الجبّة، وحُمل باتّجاه كنيسة ومدرسة مار دانيال لراهبات العائلة المقدّسة الّتي تأسّست في عهد البطريرك الحويّك من أجل تعليم الفتاة، هو الّذي آمن بأنّه “على تربية بنات اليوم يتوقّف مستقبل الغد”. وفي الكنيسة رُفعت الصّلوات وتبارك المؤمنون قبل أن تغادر الذّخائر بالحفاوة نفسها متّجهة نحو تنّورين.
وفي تنّورين الّتي كان البطريرك الحويّك يسلك طريقها ذهابًا وإيّابًا من الدّيمان إلى بكركي، وقف راعي الأبرشيّة المطران منير خيرالله مع كهنة البلدة ومسؤوليها وأبنائها مستقبلين ذخائر الطّوباويّ الجديد في مشهد مؤثّر حاشد، وفي مسيرة اتّجهت نحو كنيسة سيّدة الانتقال الّتي عجّت بالمؤمنين الّذين ما بخلوا بالتّعبير عن مشاعرهم، رافعين صلواتهم إلى الله بشفاعة أب الطّائفة الطّوباويّ.
المحطّة التّالية كانت في مسقط رأس البطريرك الطّوباويّ، في حلتا، حيث امتزجت مشاعر الغبطة بمشاعر الإيمان والفخر، وخفقت فيها القلوب لأنّ ابنها البطريرك الّذي ترعرع في ربوعها يزورها في اليوم التّالي لتطويبه، فعانق الطّوباويّ من سمائه منزله الوالديّ وساحات بلدته الّتي شهدت على نموّه الرّوحيّ والجسديّ والفكريّ، وكنيسة السّيّدة الّتي نال فيها سرّ العماد.
وفي حلتا، كانت كلمات دعت إلى التّمسّك بالإيمان، وذكّرت بأنّ الإيمان يفيض حيث تكثر التّحدّيات، وأكّدت بأنّ تطويب البطريرك الياس الحويّك هي رسالة سماويّة واضحة بأنّ قدّيس لبنان هو لجميع أبنائه.
المحطّة التّالية كانت في دير مار يوحنّا مارون- كفرحي الّذي طبع حياته كتلميذ حيث تلقّى على مقاعد مدرستها علومه الأولى والابتدائيّة، ليعود إليها معلّمًا ومربّيًا بعد سنوات من إكمال تحصيله العلميّ في روما.
وبعد استقبال الذّخائر، دخل الموكب إلى الكنيسة حيث كانت كلمة لراعي الأبرشيّة المطران منير خيرالله الّذي أشار إلى أنّ الحويّك يعود اليوم إلى الدّير ليتبارك ويبارك، شاكرًا الرّبّ على هذه النّعمة الكبيرة، مشدّدًا على أنّه يدعو الجميع اليوم إلى القداسة، طالبًا شفاعته من أجل الكنيسة والأبرشيّة ولبنان الّذي ساهم في بنائه، حاثًّا الجميع على الإيمان بلبنان الّذي أراده البطريرك الحويّك وطن رسالة. ثمّ كانت صلاة رفعها الجميع إلى السّماء بشفاعة الطّوباويّ الحويّك.
ثمّ كانت محطّة في دير مار قبريانوس ويوستينا في كفيفان الّذي قرع أجراسه فرحًا بحضور جمهور من المؤمنين، وعلى وقع التّراتيل، وزار الطّوباويّ الجديد ضريحي القدّيس نعمة الله الحردينيّ والأخ إسطفان نعمة. كما أقيم زيّاح في كنيسة الدّير، وكانت كلمة لرئيس الدّير الأخ إسطفان فرح الّذي أشار إلى عودة الحويّك إلى كفيفان بعد أكثر من مئة سنة، هو الّذي رفع دعوى تطويب شربل ورفقا والحردينيّ، ليتلقي خلال هذه الزّيارة التّاريخ والقداسة، مؤكّدًا على حاجة لبنان إلى إيمان الحردينيّ وتواضع إسطفان وبساطته وجرأة الحويّك وإيمانه بالإنسان.
وبعد أن تبارك المؤمنون من الذّخائر، انطلق الموكب نحو دير مار يوسف في جربتا، إلى ضريح القدّيسة رفقا الّتي كان لقاؤها به في إكليريكيّة غزير قبل قرن ونصف، هناك التقى الإكليريكيّ الياس ببطرسيّة يوم كانت تعمل في خدمة المطبخ، واليوم بفي بيت رفقا جاء ليحملا معًا مجد المذبح، وليذكّرا بأنّ القداسة تبدأ غالبًا بخدمة لا يراها أحد ولكن السّماء لا تنساها أبدًا.
بعد الصّلاة، توجّهت ذخائر الطّوباويّ نحو وجهتها الأخيرة إلى دير جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات في عبرين الّتي لطالما حظيت بمكانة مرموقة في قلبه.
وفي احتفال مميّز، وبسعف النّخل، وعلى وقع موسيقى الكشّاف المارونيّ استقبلت الرّاهبات ذخائر مؤسّسها بغبطة وتأثّر عميقين، وتُليت الصّلوات، وأقيم زيّاح بالذّخائر وكانت زيارة لضريح الطّوباويّ الياس الحويّك، ليُختتم بذلك يوم تاريخيّ جديد، حيث عانق الحاضر الماضي وأعطى رجاءً جديدًا لمستقبل عساه يُبنى على الأسس نفسها الّتي بُني عليها لبنان الكبير.







