وجّه رئيس الطائفة الكلدانيّة في لبنان المطران ميشال قصارجي رسالة بمناسبة الذّكرى السّادسة لانفجار مرفأ بيروت، توقّف فيها عند هذا اليوم الأليم، داعيًا- تزامنًا مع عيد التّجلّي- إلى تجلّ جديد للبنان.
وجاء في نصّ الرّسالة بحسب ما نشر إعلام الأبرشيّة:
“هناك أحداثٌ في حياة الشّعوب لا تبقى مجرّد وقائع في صفحات التّاريخ، بل تتحوّل إلى ذاكرة حيّة تسكن وجدان الإنسان وتدعوه إلى التّأمّل والمسؤوليّة والرّجاء. ويأتي الرّابع من آب ٢٠٢٠ في مقدّمة هذه الأحداث الّتي ستبقى محفورة في تاريخ لبنان، يوم أُصيبت بيروت في قلبها، وتحوّل الفرح إلى مأساة، وسقط الأبرياء ضحايا انفجار هزّ الوطن والعالم.
في هذه الذّكرى الأليمة، ننحني بخشوع أمام أرواح جميع الّذين فقدوا حياتهم، ونرفع الصّلاة إلى الله الرّحوم لكي يمنحهم الرّاحة الأبديّة في ملكوته السّماويّ. كما نحيّي بقلوب ملؤها المحبّة والرّجاء عائلات الضّحايا، الّتي ما زالت تحمل صليب الفقدان والألم، ونعبّر عن قربنا العميق من جميع الجرحى، وبالأخصّ الّذين يعيشون اليوم مع إعاقات دائمة نتيجة تلك المأساة.
إنّ أصحاب الإعاقات ليسوا فقط شهودًا على حجم الكارثة، بل هم أيضًا شهود على قوّة الإنسان وكرامته. إنّهم يذكّروننا بأنّ الإنسان لا يُقاس بما فقده، بل بما يحمله في داخله من إيمان وشجاعة وقدرة على النّهوض. إنّهم إخوتنا وإخوتنا وأخواتنا الّذين يستحقّون كلّ دعم وتقدير واحتضان من المجتمع والدّولة والكنيسة.
ونوجّه كذلك تحيّة وفاء إلى أبناء بيروت، هذه المدينة الّتي عرفت عبر تاريخها الكثير من الجراح، لكنّها بقيت دائمًا مدينة الحياة والثّقافة والحرّيّة والانفتاح. بيروت ليست فقط عاصمة لبنان، بل هي رمز للّقاء بين الحضارات، وللتّعايش بين الأديان، وللرّسالة الّتي يحملها لبنان في هذا الشّرق. يقول الكتاب المقدّس: “الرَّبُّ قَرِيبٌ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُخَلِّصُ الْمُنْسَحِقِي الرُّوحِ” (مزمور ٣٤: ١٩). إن هذه الكلمة الإلهيّة ترافق كلّ إنسان متألّم، وتؤكّد لنا أنّ الله لا يترك أبناءه في لحظات المحنة، بل يحوّل الألم، بنعمته، إلى طريق للرّجاء والخلاص.
ويقول النّبيّ أشعيا: “وَيَبْنُونَ الْخِرَبَ الْقَدِيمَةَ، وَيُقِيمُونَ الْمَوَاضِعَ الْمُقْفَرَةَ” (أشعيا ٦١: ٤). وهذه الدّعوة النّبويّة لا تعني فقط إعادة إعمار الأبنية المهدّمة، بل إعادة بناء الإنسان، وترميم الثّقة، وإرساء العدالة، وإحياء المسؤوليّة الوطنيّة والأخلاقيّة.
ونحن نستعدّ للاحتفال بعيد تجلّي ربّنا يسوع المسيح، يكتسب رجاؤنا معنى أعمق وأكثر إشراقًا. فبحسب تقليد مشرقِيّ قديم، ارتبط سرّ التّجلّي بجبل الشّيخ (حرمون)، في جنوبي لبنان، حيث أعلن المسيح لتلاميذه شيئًا من مجده الإلهيّ، وسعوا صوت الآب قائلًا: “هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ، لَهُ اسْمَعُوا” (مرقس ٩: ٧).
إنّ سرّ التّجلّي يعلّمنا أنّ النّور لا يلغي الصّليب، وأنّ المجد يمرّ دائمًا عبر درب الألم. فالمسيح لم يلغِ آلام البشريّة، بل حملها وحوّلها إلى طريق قيامة وحياة. وهكذا فإنّ لبنان، بعد كلّ الصّلبان الّتي حملها، مدعوّ اليوم إلى تجلٍّ جديد، ينتقل فيه من الجراح إلى الشّفاء، ومن الخوف إلى الرّجاء، ومن الانقسام إلى الوحدة والسّلام.
لقد علّمنا القدّيس أغسطسينوس أنّ السّلام هو ثمرة النّظام القائم على العدالة، فالسّلام الحقيقيّ لا يقوم على النّسيان أو تجاهل الحقيقة، بل على المصالحة المبنيّة على العدالة والاحترام المتبادل. كما يذكّرنا الفيلسوف بول ريكور بأنّ الذّاكرة ليست سجنًا للماضي، بل مسؤوليّة تجاه المستقبل. لذلك فإنّ إحياء ذكرى الرّابع من آب ليس لإبقاء الجراح مفتوحة، بل لكي نتعلّم من الألم ونبني مستقبلًا أكثر عدلًا وإنسانيّة.
إنّ لبنان يمرّ اليوم بمرحلة دقيقة ومفصليّة. ومن هنا نثمّن الجهود الّتي يبذلها فخامة رئيس الجمهوريّة اللّبنانيّة العماد جوزاف عون من أجل تعزيز مؤسّسات الدّولة، وترسيخ سيادتها، وإعادة الثّقة بين المواطنين والدّولة، والسّير نحو مرحلة من الاستقرار والإصلاح.
كما نتوجّه بتحيّة تقدير وامتنان إلى الجيش اللّبنانيّ، المؤسّسة الوطنيّة الجامعة، الّتي بقيت رمزًا للوحدة والتّضحية والانتماء الوطنيّ، والّتي تواصل أداء رسالتها في حماية لبنان والحفاظ على أمنه واستقراره.
وفي ظلّ الظّروف الإقليميّة الدّقيقة، نتابع باهتمام المساعي والجهود الدّبلوماسيّة الّتي تهدف إلى إحلال السّلام في منطقتنا، وإلى معالجة النّزاعات عبر الحوار والتّفاهم. إنّ السّلام ليس ضعفًا ولا تنازلًا عن الكرامة، بل هو أسمى أشكال الشّجاعة والحكمة، لأنّه يحفظ حياة الإنسان ويصون مستقبل الأجيال.
وفي هذا السّياق، نستذكر بامتنان الزّيارة التّاريخيّة الّتي قام بها قداسة البابا لاون الرّابع عشر إلى لبنان في شهر كانون الأوّل الماضي، وما حملته من رسالة سلام ورجاء وتشجيع. لقد دعا قداسته لبنان إلى أن يبقى أرض لقاء وحوار وأخوّة، وأن يحافظ على رسالته في هذا الشّرق، حيث يشكّل حضور المسيحيّين والمسلمين معًا شهادة حيّة على إمكانيّة العيش المشترك.
كما نذكر بكلّ فرح وامتنان الزّيارة الرّاعيّة الّتي قام بها مؤخّرًا غبطة البطريرك مار بولس الثّالث نونا، بطريرك الكلدان في بغداد والعالم. لقد حملت زيارته إلى لبنان رسالة أخوّة ومحبّة ورجاء وسلام، مؤكّدًا أنّ الكنيسة الكلدانيّة وكنائس المشرق، رغم التّحدّيات والآلام والهجرة، ستبقى ثابته في إيمانها، شاهدة للمسيح، وخادمة للإنسان، وجسرًا للمصالحة والسّلام.
ونرفع أيضًا صلاتنا وشكرنا لله بمناسبة إعلان تطويب غبطة البطريرك الياس الحويّك، الّذي ارتبط اسمه بقيام لبنان الكبير، والّذي دافع بشجاعة عن كرامة الإنسان، وعن حرّيّة لبنان، وعن دوره ورسالة وجوده. إنّ حياته تذكّرنا بأنّ القداسة ليست بعيدة عن خدمة الوطن، بل إنّ الإنسان القدّيس يستطيع أن يكون أداة في يد الله لبناء التّاريخ وخدمة الخير العامّ.
لقد قال القدّيس يوحنّا بولس الثّاني: “لبنان أكثر من وطن، إنّه رسالة.” وهذه الرّسالة تبقى اليوم أمانة في أعناق جميع اللّبنانيّين: رسالة حرّيّة، وكرامة، وحوار، وتعاياش، وسلام.
في هذه الذّكرى، نصلّي من أجل أرواح الضّحايا، ومن أجل عائلاتهم، ومن أجل الجرحى وذوي الإعاقات، ومن أجل أبناء بيروت، ومن أجل لبنان بأسرّه. ونصلّي من أجل المسؤولين السّياسيّين والعسكريّين والرّوحيّين، لكي يمنحهم الله الحكمة والشّجاعة والإخلاص في خدمة الإنسان والوطن.
ولتكن شفاعة سيّدة لبنان رفيقة مسيرة وطننا، ولتَقد أبناءه نحو المصالحة والوحدة والسّلام.
حفظ الله بيروت.
حفظ الله لبنان.
وليحوّل الرّبّ دموع هذا الشّعب إلى رجاء، وجراحه إلى قوّة، وذكراه المؤلمة إلى ينبوع حكمة وبناء لمستقبل يليق بتضحيات الشّهداء وأحلام الأجيال القادمة.”



