11 أغسطس 2026
العراق

نونا: عودة المسيحيّين هي تحدٍّ كبير للعراق

عبّر بطريرك الكلدان ما بولس الثّالث نونا عن أكبر تحّد للعراق ألا وهو عودة المسيحيّين إليه، إضافة إلى قلقه على الشّباب وتزايد الهجرة في مجتمع طُبع بالحروب والصّراعات، خلال مقابلة أجرتها معه صحيفة “لوسيرفاتوري رومانو” الفاتيكانيّة أمس الإثنين.

وفي ما يلي المقابلة كما نشرها موقع البطريركيّة الكلدانيّة:

“قال البطريرك بولس الثّالث نونا إنّ “التّحدّي الأكبر الّذي علينا مواجهته هو عدم إمكانيّة عودة جميع المسيحيّين؛ فكثيرون منهم هاجروا خارج العراق، بينما اختار آخرون البقاء في الأماكن الأكثر استقرارًا”. وأعرب عن قلقه “إزاء مجتمع اتّسم بالحروب والنّزاعات، ضمن سياق إقليميّ صعب ويسوده عدم الاستقرار”.

وأكّد بطريرك الكلدان، من وجهة نظر أمنيّة، أنّ “الوضع بالعموم جيّد”، لكن حياة النّاس اليوميّة تتأثّر سلبًا “بسبب التّوتّرات والصّراعات بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران”، ولاسيّما في الجانب الاقتصاديّ.

ويُعدّ نقص الأمل لدى الشّباب من أولويّات غبطته، إذ فقدوا الثّقة بالمستقبل وبأرضهم ووطنهم. “البطالة ساهمت في انخفاض واضح في عدد الزّواجات؛ فكثيرون لا يريدون تأسيس عائلة هنا لأنّهم ينوون ترك البلاد، بينما لا يريد آخرون تأسيسها في ظروف غير آمنة”. وستكون هذه المواضيع محور اجتماع مجلس الأساقفة الكاثوليك الّذي سيُعقد يوم 28 آب المقبل، وهو الاجتماع الأوّل منذ عام 2021.

القلق بشأن الشّباب الّذين فقدوا الرّجاء كلّيًّا في مستقبل العراق، وعدم استقرار المنطقة بسبب التّوتّر بين الولايات المتّحدة وإيران، والألم تجاه المسيحيّين الّذين لا يزالون يهاجرون ويتركون بيوتهم وأراضيهم… كلّها هواجس حاضرة في قلب البطريرك الجديد بولس الثّالث نونا، الّذي انتُخب قبل أربعة أشهر. لكن إلى جانب هذه الأفكار، هناك أيضًا فرح بحدث كنسيّ يبدو روتينيًّا: اجتماع مجلس الأساقفة الكاثوليك في عينكاوا، مركز إقليم كوردستان، يوم 28 آب. “سنناقش الحاجة إلى عقد المجلس بصورة دوريّة، فضلًا عن بعض المسائل الجوهريّة مثل حضور المسيحيّين في العراق والسّبل لرعايتهم والحفاظ عليهم، ومن جهة أخرى الحفاظ على الأراضي الّتي تجذّروا فيها تاريخيًّا.”

هل ستُطرح مواضيع كنسيّة أخرى؟

سنُعنى باللّجنة المشتركة للتّعليم المسيحيّ، والمحاكم الكنسيّة، وأخويّة المحبّة (الكاريتاس). المسيرة السّينوداليّة أساسيّة وضروريّة في عالم اليوم. وأنا مقتنع بأنّ التّعاون بين الكنائس الكاثوليكيّة يجعلنا أقوى وأكثر قدرة على التّفكير والعمل في خدمة مؤمنينا. لا يستطيع أحد أن يفعل كلّ شيء وحده، ولا أن يعتقد أنّ بإمكانه تحقيق كلّ ما يريد بقواه الذّاتيّة. ومن اللّقاءات مع الأساقفة أعضاء المجلس، بدا واضحًا أنّ الجميع سعداء جدًّا باستعادة هذه الاجتماعات ويريدون العودة إلى العمل معًا.

سيفكّر الأساقفة في وضع البلاد. فما هو الوضع السّياسيّ- الاجتماعيّ للعراق؟

من جهة الأمان، وضع البلاد بالعموم جيّد. ومع ذلك، تُلاحظ التّأثيرات السّلبيّة للتّوتّرات بين الولايات المتّحدة وإيران، خصوصًا في الاقتصاد العراقيّ، إذ بدأ الشّعب يشعر بآثارها في حياته اليوميّة. وعلى الصّعيد السّياسيّ، هناك أمل بأن تُحدث الحكومة الحاليّة تغييرًا، وتؤسّس بلدًا قويًّا يقوم على مؤسّسات راسخة، ويحارب الفساد الّذي يشكّل العدوّ الحقيقيّ للوطن.

ما هي حاجات الشّعب الأساسيّة، ولاسيّما الشّباب الّذين يشكّلون الحلقة الأضعف؟

نقص الأمل؛ فالشّباب فقدوا ثقتهم بالمستقبل وبأرضهم ووطنهم وبكثير من الأمور. برأيي، هذا هو التّحدّي الأخطر، لأنّه جعل الشّباب قليلي الالتزام في بناء حياتهم وحياة الآخرين أو في المساهمة الفعّالة في بناء المجتمع.

وهناك أيضًا مشكلة البطالة…

بالتّأكيد. فقلّة فرص العمل وعيشهم في سياق اجتماعيّ يصعب فيه إيجاد مكان يحقّقون فيه ذواتهم، يشكّل تحدّيًا كبيرًا. وهناك تحدٍّ آخر للشّباب المسيحيّ: الرّغبة في الهجرة. وبالتّالي انخفض عدد الزّواجات بصورة ملحوظة. كثيرون لا يريدون تأسيس عائلة هنا لأنّهم يريدون ترك البلاد، بينما لا يريد آخرون تأسيسها في ظروف غير مستقرّة. إنّ انعدام الأمل بالمستقبل، بسبب عدم الاستقرار في المنطقة بأكملها، يجعل الشّباب لا يريدون المشاركة في الحياة العامّة ولا المساهمة فيها. وهذا يشكّل مشكلة كبيرة، لأنّ بناء مستقبل البلاد يقع على عاتق الشّباب؛ فبدون مشاركتهم وعملهم سيكون المستقبل محفوفًا بالمخاطر.

هناك أيضًا مسألة احترام حقوق الإنسان. ما وضعها؟

في سياق عدم الاستقرار الّذي تمرّ به منطقة الشّرق الأوسط، تصبح رعاية حقوق الإنسان ضعيفة وغير مؤكّدة. بالعموم، لا تُسجّل خروقات خطيرة ودوريّة على الصّعيد الرّسميّ. فالأهمّيّة تتعلّق بطريقة تعامل بعض المؤسّسات مع أفرادها، فضلًا عن السّلوكيّات في العلاقات الشّخصيّة. دون شكّ هناك انتهاكات، خصوصًا تجاه الملكيّة، لكنّها لا تمثّل خطًّا رسميًّا عامًّا. كما أنّ الرّعاية الفعّالة لحقوق الفرد تبقى مشروطة بإشكاليّات معقّدة وخطيرة، من بينها الفساد الماليّ، إضافة إلى عمليّة صنع القرار الّتي تسيطر عليها قوى اقتصاديّة أو نفوذ سياسيّ.

لا تسيطر قوّات داعش على الواقع، لكنّها تعمل كشبكة سرّيّة. كيف هو وضع البلاد اليوم؟

كما أشرتُ في البداية، الوضع بالعموم جيّد. في المناطق المأهولة بالمسيحيّين تاريخيًّا لم تُسجّل مشاكل أمنيّة كما في الماضي. بينما بقيت تحدّيات أخرى، منها التّغيير الدّيمغرافيّ، والعدد الضّئيل من المسيحيّين الّذين يعودون إلى أماكنهم الأصليّة، ونقص الخدمات الأساسيّة. ومع ذلك، وبسبب الحرب الأخيرة، يُخشى أن يُسحب العراق إلى الصّراع أو يصبح أرضًا للمعركة بين الأطراف المتنازعة. إلى الآن لم تُسجّل مشاكل خطيرة، لكن القلق لا يزال قائمًا.

قبل أيّام، مرّت الذّكرى الثّانية عشرة لليلة 6 و7 آب 2014، عندما أُجبر عشرات الآلاف من المسيحيّين على الهروب من سهل نينوى. غبطتكم عشتم تلك اللّحظات مع شعبكم. ما هي الذّكريات الّتي احتفظتم بها من تلك اللّيلة؟ وهل هناك وجه أو لقاء أو حدث لم تنسوه؟

تلك اللّحظة وتلك اللّيلة لا تُنسى بسهولة، إذ تبقى في الذّاكرة وتطبع الحياة بعمق. أذكر عشرات الآلاف من العائلات تهرب، بعضهم بالسّيّارات وآخرون مشيًا على الأقدام، والخوف يملأ قلوبهم ويُقرأ في أعينهم. كان بكاء الأطفال مؤلمًا جدًّا. على المستوى الشّخصيّ، كنت قلقًا للغاية على الّذين لم يدركوا ضرورة الهروب وبقوا في بيوتهم. الإتصال بهم وحثّهم على الخروج بأسرع ما يمكن كان مصدر قلق وخوف كبيرين بالنّسبة لي.

غبطتكم كنتم إذًا رئيس أساقفة الموصل للكلدان، جنوب غرب سهل نينوى، وشعرتم بثقل القلق…

كان القلق الأكبر على العائلات الّتي بقيت في قرى سهل نينوى. ولذلك اتّصلت بكهنة بعض القرى وذهبت شخصيًّا إلى قرى أخرى، وطلبت منهم إخلاء الجميع بأسرع وقت لأنّنا عرفنا مسبقًا أنّ تنظيم الدّولة الإسلاميّة ينوي التّقدّم إليها. التّأكّد من نجاة الجميع كان من اللّحظات الصّعبة والمؤلمة لتلك الأيّام. وكان هناك قلق آخر، إذ لم نكن نعلم بمن نثق في مواجهة هذا الظّرف المأساويّ، فجميع مؤسّسات الدّولة كانت مشلولة. كنّا مجبرين على التّصرّف، متّكلين على خبرتنا وعلى ما اعتقدناه الخيار الأفضل في تلك اللّحظة. وكان هذا تحدّيًا كبيرًا.

منذ ذلك الوقت، ماذا تغيّر بالنّسبة للمسيحيّين؟

دون شكّ، هناك اختلاف كبير بين تلك الأيّام والوضع الحاليّ. لا يوجد خوف شديد، لكن يبقى القلق بسبب عدم الاستقرار العامّ. في تلك الفترة فقدَ المسيحيّون الكثير، ولم يُعوّض العديد منهم. الخطر يكمن في العدد الكبير من المسيحيّين الّذين تركوا أراضيهم وبيوتهم وهاجروا إلى الخارج أو انتقلوا إلى أماكن أخرى داخل البلاد. هناك مجتمع اتّسم بالحروب والصّراعات، ضمن وضع إقليميّ صعب وغير مستقرّ، ما جعل العلاقات والحياة بكلّ أبعادها معقّدة. وبالتّالي، فإنّ حرّيّة عيش الإيمان لا تتعلّق فقط بما يحدث داخل الكنائس، بل أيضًا بإمكانيّة حضور المسيحيّين ومشاركتهم الحرّة في كلّ جوانب الحياة الاجتماعيّة. وهذه الجوانب لا يمكن ضمانها بالكامل دون عراقيل ذات طبيعة مؤسّساتيّة ومجتمعيّة.

بحسب غبطتكم، ما هو مستقبل سهل نينوى، حيث تمّت إعادة البناء المادّيّ في جزء كبير، لكن إعادة البناء الدّيمغرافيّ لا تزال غير مكتملة؟

ليس من السّهل توقّع ما سيحدث. التّحدّي الأكبر هو عدم إمكانيّة عودة جميع المسيحيّين إلى هذه المنطقة؛ فكثيرون هاجروا خارج العراق، بينما اختار آخرون البقاء في أماكن أكثر استقرارًا. يعتمد الرّجوع على عوامل عدّة، منها استقرار الوضع السّياسيّ والأمل بألّا تتكرّر أحداث الماضي المؤلمة. من الضّروريّ إعادة الثّقة بالمستقبل لكي يعيش كلّ مسيحيّ بحرّيّة، بيقين أنّه قادر على بناء حياة مستقرّة وأن يجد عملًا لا يعاني فيه من التّهميش أو التّدخّل غير المبرّر. وهناك أيضًا تحدّي إرادة بعض المكوّنات في المنطقة تغليب مصالحها على الآخرين، فضلًا عن استغلال سهل نينوى كأرض للصّراع السّياسيّ والاجتماعيّ. كمسيحيّين، بطبيعتنا وبفضل إيماننا، لا نريد الدّخول في صراع مع أحد. مؤمنونا تعبوا من الصّراعات ويطمحون إلى العيش بسلام وهدوء، لكن هذا الطّموح لم يجد تحقيقه الكامل بعد.”