دينيّة
17 كانون الأول 2015, 06:49

قديسو اليوم : 17 كانون الأول 2015

تذكار الفتية الثلاثة القديسين حننيا وعزريا وميشائيل (بحسب الكنيسة المارونية) لما أخذ اورشليم نبوكدنصَّر ملك بابل، سبى الشعب اليهودي والملك يوياقيم وساقهم الى بابل، كان بينهم هؤلاء الفتيان الثلاثة حننيا وعزريا وميشائيل. اختارهم الملك ليكونوا معدِّين للوقوف امامه. "ووظف لهم رزق كل يوم من طعام الملك ومن خمرة شرابه" ( دانيال 1: 5). فأبوا ان يخالفوا شريعة آبائهم ويتنجَّسوا بتلك المآكل، وطلبوا ان يأكلوا الحبوب فقط. وحلم الملك حلماً ازعجه، ولم يقدر احدٌ من السحرة والعلماء ان يفسره له. فامر بقتلهم عن آخرهم. فتقدم دانيال وصلى مع الفتيان الثلاثة، وبوحي من الله تمكَّن من تفسير ذلك الحلم وكشف ما فيه من غوامض. عندها خرَّ الملك سجد لدانيال واعترف بالإله الذي اعطاه تلك الحكمة. وولَّى الفتيان الثلاثة على اقليم بابل. ثم ان الملك صنع تمثالاً واحتفل بتدشينه، آمراً الجميع ان يسجدوا له. فأبى اولئك الفتيان الثلاثة ان يعملوا بامر الملك، فاستشاط غيظاً وامر بالقائهم في اتون النار. لكن الله ارسل ملاكه اليهم ولجم ألسنة النار عنهم فلم تمسَّهم بأذىً، بل ظلوا يتمشَّون وسط اللهب يترنمون بتسبحتهم المشهورة التي تتلى بفرضنا الكنسي، قائلين:" مباركٌ انت ايها الرب الاله آبائنا". ورأى الملك نبوكدنصَّر الملاك بينهم. فتعجب وخاف وامر باخراجهم حالاً، فوجدهم سالمين، حتى ثيابهم لم تمسَّها النار، فلم يتمالك من الهتاف قائلاً:" تبارك اله حننيا وعزريا وميشائيل الذي ارسل ملاكه وانقذ عبيده" (دانيال 3: 95). ثم اصدرا امراً الى جميع مملكته، بالاَّ يجدف احدٌ على اله حننيا وعزريا وميشائيل.

وزاد الملك في اكرامهم وترقيتهم في اقليم بابل. وعاشوا بالبرِّ والقداسة الى ان رقدوا بالرب سنة 628 قبل مجيء المسيح. صلاتهم معنا. آمين.

 

رابولا أسقف الرها (بحسب الكنيسة السريانية الكاثوليكية)

ولد رابولا وثنياً في مدينة قنسرين، وكانت أمّه مسيحية. تنصّر شاباً ففرّق أمواله على أهل الفاقة وهجر زوجته وتنسّك وازدان بالفضائل. فسيّم مطراناً للرها خلفاً للمطران يوجينس سنة 411 فرعاها أربعاً وعشرين سنة وتوفي في السابع من شهر آب عام 435. وكان متقشّفاً في معيشته، حازماً صارماً، مهيباً على رعّيته. ولمّا عُقد مجمع أفسس سنة 431 مال إلى البطريرك يوحنّا الإنطاكي، وبعد ذلك إنحاز إلى قورلس بطريرك الإسكندرية، وحرم ثاودورس المصيصي. ونقل من اليونانية إلى السريانية بعض تصانيف قورلس ككتاب الإيمان الحق. وكان المترجم قد نال من الآداب اليونانية والسريانية قسطاً وافراً، ودبج بالسريانية التخشفتات المشهورة بإسمه للأعياد السيدية والعذراء والقدّيسين وبعضها للتوبة والموتى، ولعلّها بلغت السبعمائة بيت. وشرّع (89) قانوناً للرهبان والقسوس والنساء المكرّسات، وكتب (46) رسالة إلى أساقفة وكهنة وأمراء وأعيان ورهبان، منها رسالة إلى أندراوس أسقف سميساط النسطوري يعنّفه فيها لمناقضته حروم قورلس، وكتاب إلى جملينوس أسقف البيرة تقريعاً لرهبان أساؤوا تناول القربان الإلهي، وخطبتين لفظ إحداهما في القسطنطينية ونعته قورلس في بعض رسائله بعمود الحق.

 

القديس دانيال النبي والفتية القديسون الثلاثة حنانيا وعازريا وميصائيل (بحسب الكنيسة الارثوذكسية)

أين نجد خبرهم؟

القديس دانيال النبي هو الذي تسمى السفر الرابع من أسفار الأنبياء الكبار باسمه بعد إشعياء وإرميا وحزقيال. هذا وفق ترتيب الترجمة السعينية لأسفار العهد القديم. وقد ورد أكثر أخباره في هذا السفر. كما ذكرته قصّة سوسنّة وقصّة بال والتنّين الواردتان، في الترجمة السبعينية، مباشرة قبل سفر المكابيّين الأول.

أما الفتية الثلاثة القدّيسون فنلقى روايتهم في سفر دانيال النبي عينه. ولهم، في الترجمة السبعينية، نشيد يعرف بـ "نشيد الفتية الثلاثة" تجعله الترجمة السبعينية قبل قصّة سوسنّة مباشرة.

يذكر أن الترجمة الكاثوليكية العربية للكتاب المقدس تثبت نشيد الفتية الثلاثة كتتمة للإصحاح الثالث من سفر دانيال، فيما تجعل قصة سوسنّة في الإصحاح الثالث عشر من السفر وقصّة بال والتنّين في الإصحاح الرابع عشر.

دانيال النبي ورفقته

هو أحد أمراء بني إسرائيل الذين أجلاهم نبوخذ نصّر، ملك بابل، إلى بلاده بعدما استولى على أورشليم في حدود العام 597 ق.م في السنة الثالثة من ملك يوياقيم، ملك يهوذا. وقد اختير دانيال من ضمن مجموعة من الأمراء الفتية الذين "لا عيب فيهم، حسان المظهر يعقلون كل حكمة ويدركون العلم ويفقهون المعرفة، ممن يكونون آهلاً للوقوف في قصر الملك ولتعلّم أدب الكلدانيين ولسانهم" (دانيال4:1). وكان من المفترض أن تُعدَّ المجموعة خلال ثلاث سنوات في ما يشبه الأكاديمية الملكية ثم توضع في خدمة الملك. كان دانيال في حدود السابعة عشرة من عمره، وقد أعطي اسم بلطشصّر وحُدّدت له حصّة يومية من طعام الملك وخمر شرابه. الأمر نفسه حصل لفتية ثلاثة آخرين من أمراء إسرائيل هم حنانيا وميصائيل وعازريا. وقد أعطي الأول اسم شدراخ والثاني اسم ميشاخ والثالث اسم عبدناغو.

ولكن لم يشأ دانيال ورفقته أن يتنجّسوا بطعام الملك وشرابه. أغلب الظن لأنه كانت له علاقة بالأوثان. ذاك كان عندهم حراماً يوازي الشرك وتالياً الكفر بإله إسرائيل. فسألوا رئيس الخصيان المولّج إليه أمر العناية بهم أن يعفيهم فوافقهم، بعون الله، بعد لأي، فاكتفوا من الطعام بحبوب القطاني ومن الشراب بالماء. وكانت النتيجة أن بساطة طعام الأربعة، على بركة الله، متّعتهم بصحة وعافية فاقتا سائر الشبّان الذين اغتذوا بمآكل الملك.

"وأعطى الله أولئك الفتية الأربعة معرفة وفهماً في كل أدب وحكمة. وكان دانيال ذا فطنة في جميع الرؤى والأحلام" (دانيال17:1). فلما وقفوا أمام الملك في الوقت المعيّن لهم فاقوا بعشرة أضعاف جميع السحرة والعرّافين في المملكة.

الحلم وتفسيره

وسنحت الفرصة لدانيال أن يظهر علمه وحكمته وأن يعلو شأنه يوم عاين نبوخذ نصّر الملك، أثناء رقاد النوم، حلماً أقلقه، فطلب أن يبيِّن السحرة والعرّافون والرقاة والكلدانيون الحلم وتفسيره. لم يكتفِ بالتفسير لأنه قال يكذبون عليّ، ولكن لو عرفوا الحلم أولاً لأمكنني تصدبقهم. فأجاب الكلدانيون أنه لا طاقة لإنسان على ذلك سوى الآلهة "الذين لا سكنى لهم مع البشر" (دانيال11:2). فغضب الملك وطلب أن يُبادوا. فلما بلغ دانيال قرار الملك استوضح الأمر ثم طلب مقابلته. فلما دخل عليه استمهله زماناً لتبيان الحلم وتفسيره فأمهله. والتمس الأربعة، دانيال ورفقته، رحمة ربّهم فانكشف له السرّ في رؤيا الليل.

عاد دانيال إلى الملك وأبان له الحلم وتفسيره، فسقط "نبوخذ نصّر على وجهه وسجد لدانيال، وأمر أن تُقرَّب له تقدمة وبخور رضى". واعترف الملك بأن إله دانيال إله الآلهة حقاً وربّ الملوك... (دانيال46:2...). ثم أعطاه هدايا عظيمة كثيرة وسلّطه على كل إقليم بابل وجعله رئيساً أعلى على جميع حكماء بابل. كما وُلّي شدراخ وميشاخ وعبدناغو بناء لطلب دانيال على شؤون إقليم بابل.

تمثال الذهب وأتّون النار

بعد ذلك بزمن نصب نبوخذ نصّر تمثالاً من الذهب وأمر أن يسجد له جميع الناس فأطاعه الخلق كلهم. ولكن وشى الكلدانيون بالفتية الثلاثة إنهم لم يذعنوا. فأرسل الملك في طلبهم غاضباً وهدّد بإلقائهم في وسط أتّون النار المتّقدة إن لم يفعلوا. فأبى الثلاثة أن يسجدوا لغير إلههم وأسلموا لربّهم. إذ ذاك أمر الملك بإحماء النار سبعة أضعاف وإلقاء الثلاثة فيها وهم في سراويلهم وأقمصتهم وأرديتهم وألبستهم. فمن لظى النار احترق الذين أتوا بالثلاثة إلى الأتّون. كان الثلاثة موثقين. وعوض أن تلتهم ألسنة اللهب الفتية نزل ملاك الرب إلى الأتّون وطرد لهيب النار وجعل في وسط الأتّون ما شبه نسيم الندى المنعش فلم تمسّهم النار البتّة، لا هم ولا ألبستهم، فأنشدوا وسبّحوا وباركوا الله.

أما عازريا فتفوّه بكلام طالما ردّدته الألسن في الكنيسة على مدى الأجيال لأنه تخطى الفتية الثلاثة إلى كل شعب الله: "...يا رب إله آبائنا... عادل أنت في كل ما صنعت بنا... قد أخطأنا وأثمنا وابتعدنا عنك... ولم نسمع لوصاياك ولم نحفظها ولم نعمل بما أمرتنا به لكي يكون لنا الخير... فكل ما صنعته بنا... إنما صنعته بحكم حق. فأسلمتنا إلى أيدي أعداء آثمة... والآن فليس لنا أن نفتح فمنا لأننا صرنا خزياً وعاراً نحن عبيدك... ولكن لا تخذلنا إلى الغاية من أجل اسمك... من أجل إبراهيم صفيِّك واسحق عبدك وإسرائيل قدّيسك... لم يعد لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبيّ ولا مدبّر ولا محرقة ولا ذبيحة ولا قربان ولا بخور... لكي ننال رحمتك... لكن اقبلنا لانسحاق نفوسنا وتواضع أرواحنا... فإنه لا خزي للذين يتوكّلون عليك. إننا نتبعك اليوم بكل قلوبنا ونتّقيك ونبتغي وجهك فلا تخزنا... أعط يا رب مجداً لاسمك. ليخز جميع الذين أروا عبيدك المساوئ... وليعلموا أنك أنت هو الرب الإله وحدك..."

وأما الثلاثة معاً فلما لم تسؤهم النار ولم تزعجهم، فقد سبّحوا وباركوا ودعوا الخليقة كلها المنظورة وغير المنظورة إلى التسبيح معهم، أعمال الرب وملائكة الرب وسماوات الرب، والشمس والقمر والنجوم، والبرْد والحرّ والندى، والبرق والسحاب، والليل والنهار، والجبال والتلال، والبحار والأنهار، والحيتان والطيور، والبهائم والوحوش، وكل بني البشر، وإسرائيل، وكهنة الرب، وأرواح ونفوس الصدّيقين والقدّيسين المتواضعي القلوب. "لأنه أنقذنا من الجحيم وخلّصنا من يد الموت...".

وكان، بعد ذلك، أن دُهش نبوخذ نصّر لما حدث لا لأن النار لم تحرق الفتية الثلاثة ولا غيّرت ألبستهم ولا لصقت بهم رائحة النار وحسب، بل لمنظر عجيب شهد له قائلاً: "ألم نكن ألقينا ثلاثة رجال في وسط النار وهم موثقون... إني أرى أربعة رجال مطلقين يتمشّون في وسط النار... ومنظر الرابع يشبه ابن الله". (دانيال24:3 وما يتبعها). ثم إن نبوخذ نصّر أعطى الفتية الثلاثة الأمان وبارك إلههم قائلاً: "تبارك إله شدراخ وميشاخ وعبدناغو الذي أرسل ملاكه وأنقذ عبيده الذين توكّلوا عليه وخالفوا أمر الملك وبذلوا أجسادهم لئلا يعبدوا ويسجدوا لإله غير إلههم... فمن إله آخر يستطيع أن ينجّي هكذا... فما أعظم آياته وما أقوى عجائبه! إن ملكوته ملكوت أبدي وسلطانه إلى جيل فجيل".

حلم الشجرة العظيمة

ثم كان بعد حين أن عاين نبوخذ نصّر حلماً آخر أقلقه. رأى شجرة عظمت حتى بلغ ارتفاعها السماء ثم نزل "ساهر قدّيس" فقطعها إلا أصلها في الأرض. والشجرة كانت بشراً أُعطي قلب وحش سبعة أزمنة. وجيء بدانيال مفسِّراً فاستفظع الحلم وخشي البوح بتفسيره إلا بعد الأمان. والكلام كان أن نبوخذ نصّر هو تلك الشجرة. فقد زادت عظمته وبلغ السماء وسلطانه أقصى الأرض، فاستكبر، والله مزمع أن يزيل عنه المُلك ويطرده من بين الناس ويُسكنه بين الوحوش ثم يردّ له عقله ويستردّه بين الناس ويعيد إليه ملكه ليتعلم أن من سار بالكبرياء فهو قادر على إذلاله (34:4) وأن المُلك لله "يجعله لمن يشاء... وجميع سكان الأرض يُحسبون كلا شيء أمامه". وقد حدث كما تفوّه دانيال وتعلّم الملك درساً قائلاً: "باركت العليّ وسبّحت وعظّمتُ شأن الحي للأبد الذي سلطانه سلطان أبدي وملكه  إلى جيل فجيل" (31:4).

يد خفية وكلام

وحلّ بلطشصّر في المُلك محل نبوخذ نصّر فترفّع هو أيضاً على ربّ السماء فكانت له هذه الحادثة ضربة قاضية: دعا، مرة، ألفاً من عظمائه وشرب هو وعظماؤه ونساؤه وسراريه خمراً بآنية الذهب والفضّة التي أخرجها نبوخذ نصّر من الهيكل الذي بأورشليم. للحال ظهرت أصابع يد إنسان وكتبت تجاه المصباح على كلس حائط قصر الملك والملك ينظر طرف اليد التي تكتب. فتغيرت سحنة الملك وروّعته هواجسه واصطكّت ركبتاه. ولما طلب العرّافين والكلدانيين والمنجّمين ليفسِّروا له الكتابة أخفقوا إلا دانيال الذي قال له لأنه ترفّع قلبه واستعمل آنية بيت الرب لشرب الخمر ولم يُعظّم الذي في يده كل نسمة وعنده جميع سبل الناس، لذلك يحصي الله أيام مُلك بلطشصّر وينهيها ويقسم المملكة ويسلمها إلى ميديا وفارس. وكان كما قال دانيال، وقُتل الملك في تلك الليلة عينها.

دانيال في الجب

وأخذ المُلك داريوس الميدي فجعل دانيال أحد وزرائه الثلاثة، وقد فاق دانيال الوزراء والأقطاب جميعاً "لأن روحاً بارعاً كان فيه"، فطلب الحسّاد عليه علّة فلم يجدوا. فالتمسوا من الملك أمراً يمنع فيه الناس من الطلب إلى الآلهة أو الناس إلا إليه تحت طائلة الإلقاء في جبّ الأسود. وقد أقام الحسّاد نظّاراً يراقبون دانيال ليشتكوا عليه. وكان دانيال معتاداً أن يسجد ثلاث مرات في اليوم باتجاه أورشليم ويصلّي لله ويحمده. فلما درى النظّار بأمره نقلوا خبره إلى الملك فاغتم لأنه كان يحبّه، لكنه لأجل الرسوم والأحكام أمر بإلقائه في جبّ السود. وبات الملك ليلته قلقاً. وعند الفجر أسرع إلى جبّ الأسود ونادى بصوت حزين: "يا دانيال، عبد الله الحيّ، هل استطاع إلهك الذي تواظب على عبادته أن ينقذك من الأسود؟" فأجابه دانيال: "أيها الملك، حييت للأبد. إن إلهي أرسل ملاكه فسدّ أفواه السود فلم تؤذني لأني وّجدت بريئاً أمامه.وأمامك أيضاً، أيها الملك، لم أصنع سوءاً". ففرح به الملك فرحاً عظيماً وأمر بإخراجه من الجبّ فلم يوجد فيه أذى لأنه توّكل على إلهه، أما الوشاة فأُلقوا في الداخل فتسلّطت عليهم الأسود وحطّمت عظامهم. وقد أقرّ داريوس بشأن إله دانيال أنه هو "الإله الحي القيّوم للأبد، وملكه لا ينقرض وسلطانه إلى المنتهى. المنقذ المنجّي والصانع الآيات والعجائب في السموات والأرض..." (27:6_28).

وكان دانيال ناجحاً في ملك داريوس وقورش الفارسي معاً.

من أخبار دانيال

إلى ذلك ورد عن دانيال في قصّة سوسنّة الفتاة العبرانية الجميلة التقيّة أنه أنقذها، بما أوتي من حكمة، من عقاب الرجم بالحجارة حتى الموت بعدما اتهمها شيخان من شيوخ إسرائيل، رغبا فيها ولم تذعن لهما، بأنها زنت على زوجها، وهما شاهدان بذلك. كما ورد أن دانيال بيّن لقورش الفارسي أن بال المدعو إلهاً ليس سوى صنم صنع الأيدي وأن كهنة بال يحتالون عليه ليوهموه أن بال يأكل ويشرب، فيما هم الذين يستأثرون، في السر، بما يخصّصه الملك لبال من طعام وشراب كل يوم وهو كثير. كذلك ورد أن دانيال أبطا السجود للتنين الذي كان أهل بابل يعبدونه لما وضع في فمه أقراصاً من الزفت والشحم والشعر فأكلها وانشقّ. وورد أيضاً أنه لما كان دانيال في جبّ الأسود، كان حبقوق النبي في أرض يهوذا وقد طبخ طبيخاً وفتّ خبزاً وذهب به إلى الحقل طعاماً للحصّادين. فأخذه ملاك الرب بقمة رأسه وحمله بشعره ووضعه في بابل عند الجبّ ومعه الطعام. فنادى حبقوق قائلاً: "يا دانيال، خذ الغداء الذي أرسله لك الله!" فقال دانيال: "اللهمّ، لقد ذكرتني، ولم تترك الذين يحبّونك!" وقام دانيال وأكل وردّ ملاك الرب حبقوق من ساعته إلى مكانه.

صورة دانيال والفتية الثلاثة

على هذا تكون الصورة التي يعكسها دانيال والفتية الثلاثة القدّيسون صورة شعب عرف خطيئته وتاب عنها وتمسّك بالأمانة لإلهه كما منذ القديم، وليس يقبل أن يكون به مشركاً ولا تغيره عنه خيرات الملوك والأمم، ولا أطايب الدنيا. أن يكون في الذلّ في العالم ولكن أميناً لربّه خير له من أن يكون في عز الممالك من دون ربّه.به يجاهر بجرأة ولا يداور. حوله رب الأرباب وملك الملوك ولا يرتفع بإزائه رأس. معلّم الحكمة وسيد العطايا وحافظ خائفيه. ولا غرو فدانيال الاسم معناه "الله قاضيّ". كل هذا يأتي بعدما ضلّ إسرائيل سواء السبيل وفرّط بإلهه حتى سباه ربّه إلى بابل لينقّي بالألم والنار زغله ويمدّه، من جديد، إلى المسيح الآتي وأورشليم الجديدة وأواخر الدهور.

نبوءات دانيال

تنتمي نبوءات دانيال إلى ما هو معروف بالأدب الرؤيوي. فبين الإصحاح السابع والإصحاح الثاني عشر أربع نبوءات فيها الكثير عن تتالي الممالك ومجيء ابن الإنسان والأزمنة الأخيرة بعض مما نقرأه  في سفر دانيال  نلقاه هنا وهناك في أسفار العهد الجديد لاسيما في سفر الرؤيا. دونك كلمة عن كل من هذه النبوءات:

النبوءة الأولى: وهي رؤيا الحيوانات الأربع وقديم الأيام وابن الإنسان (الإصحاح7) وهي موازية لحلم التمثال العظيم الذي عاينه نبوخذ نصّر (الإصحاح2). تتناول بصورة أساسية، تتالي الممالك من بابل إلى مادي وفارس إلى الإسكندر المقدوني وخلفائه إلى ابن الإنسان ذي السلطان الأبدي الذي لا يزول. وفيها صورة قديم الأيام كما استعارها سفر الرؤيا: "لباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار... وتخدمه ألوف ألوف وتقف بين يديه رِبوات رِبوات".

النبوءة الثانية: وهي رؤيا الكبش والتيس، الكبش الذي يمثّل ملوك ميديا وفاس، والتيس الذي يمثّل الإسكندر المقدوني وخلفائه (الإصحاح8).

النبوءة الثالثة: نبوءة الأسابيع السبعين (الإصحاح9). هذه تتضمن صلاة دانيال بالصوم والمسح والرماد توبة عن نفسه وعن شعب إسرائيل على غرار صلاة عازريا، كما تتضمن قولة جبرائيل الملاك عن الوقت المحدّد من الله على إسرائيل وأورشليم لإفناء المعصية وإزالة الخطيئة والتكفير عن الإثم والإتيان بالبر الأبدي.

النبوءة الرابعة: وهي الرؤيا العظمى التي تشتمل على ما يحدث بين الممالك مروراً بأنطيوخوس أبيفانيوس المدعو "الحقير" الذي فتك بإسرائيل ودنّس الهيكل، وإلى آخر الأزمنة. وفيها كلام يعتبر من أهم الكلام على قيامة الجسد في نصوص العهد القديم. "وكثير من الراقدين في أرض التراب يستيقظون، بعضهم للحياة الأبدية وبعضهم للعار والرذل الأبدي..." (2:12‑3).

دانيال والفتية الثلاثة في العبادة

لدانيال والفتية الثلاثة في عبادتنا مكانة مرموقة. فنحن نذكرهم في أحد الأجداد (11-17 كانون الأول) وكذلك في أحد النسبة (17-24 كانون الأول). لماذا تعيّد لهم الكنيسة في 17 كانون الأول وفي أحد الأجداد رغم قرب العيدين أحدهما من الآخر؟ السبب نجده في الكنيسة الكبرى في القسطنطينية حيث كان العيد أصلاً في 17 كانون الأول ولكن جرت العادة هناك على نقله إلى أقرب أحد إليه. دانيال نذكره بخاصة لأقواله عن مجيء السيّد بين الناس، والفتية الثلاثة لوطئهم آتون النار وإقامة ابن الله معهم رمزاً لتجسّده وسكناه في الناس وقيامته من بين الأموات وشركة المؤمنين في القيامة. هذا وتحتل صلاة عازريا وتسبحة الفتية الثلاثة القدّيسين التسبحتين السابعة والثامنة من صلاة السحر في الصوم الكبير. ولنا بدانيال ورفقته صورة طالما استعان بها المنشدون الكنسيون، هنا وثمة، لاسيما في ما خصّ إكرام والدة الإله. دونك هذه الأنشودة مثلاً: "ليكرّم الآن دانيال العظيم في الأنبياء. لأنه قد عاين المسيح إلهنا. حجراً مقتطعاً من جبل. أعني من والدة الإله النقية. وليُمدَح معه الثلاثة الفتية الذين خلّصهم من نار الأتّون بدون مضرّة. رسمُ البتول الإلهي الغامض الوصف. الذي خلص العالم".

وفي هذا اليوم أيضاً : القديس البار ديونيسيوس الجديد شفيع زاكنثوس

من جزيرة زاكنثوس. مال إلى الحياة التأملية منذ طفوليته. ترّهب فتى في دير قريب من زاكنثوس. أضحى، بسرعة، قدوة للرهبان، حتى للمتقدمين منهم. سيم كاهناً. لاحظه رئيس أساقفة أثينا فجعله أسقفاً على جزيرة أجينا. ذاع صيته فاستعفى هرباً من المجد الباطل وشواش العالم وعاد إلى موطنه. أحلّه بطريرك القسطنطينية محل أسقف زاكنثوس المتوفى منذ بعض الوقت. اعتزل بسرعة في أعالي الجزيرة في دير على اسم والدة الإله. صار أباً روحياً. لم يدع إنساناً يدخل قلايته. كان لا يخرج إلا لتوزيع الحسنات على الفقراء وافتقاد أبنائه الروحيين. أجاد في الحلم ومحبة القريب. جاءه مرة مجرم فار من وجه العدالة. المجرم كان قد قتل أخ ديونيسيوس. عرفه ديونيسيوس ولم يعرفه المجرم. ومع ذلك أجاره. رأف به. عزّاه ودعاه إلى التوبة. ثم خبّأه في قلاية معزولة. جاءت الشرطة تبحث عنه. أخبرته بأنه قاتل أخيه. لم ينفعل. سمع المجرم ما قيل. انصرفت الشرطة فأطلق ديونيسيوس الرجل بعدما زوّده ببعض المال ودعاه إلى التوبة والخلاص. منَّ عليه الله بموهبة صنع العجائب. أوقف سير نهر ليعبر هو وتلميذه. صلّى على امرأة ماتت فانحل جسدها بعدما كانت عليها لعنة ولما ينحلّ جثمانها بخلاف الطبيعة. صلّى من أجل صيّادين لم يصيبوا سمكاً البتة لكفرهم بالله. فمنّ عليهم الله بسمك كثير وتاب الصيّادون عن كفرهم. كانت على القدّيس نعمة حسن البصيرة ومعرفة مكنونات القلوب. هذه استخدمها لمساعدة المقبلين إلى سر الاعتراف لديه. عمّر إلى سن الخامسة والسبعين. عرف بيوم رقاده سلفاً وأخبر تلاميذه. رقد في الرب يوم السابع عشر من شهر كانون الأول سنة 1622م. دفن بناء لوصيته في الدير الذي ترّهب فيه أولاً في ستروفاديس، جنوبي زاكنثوس. ظهر لرئيس الدير وعدد من الرهبان في الحلم. كشفوا عن جسده فتبيّن أنه لم يكن قد انحلّ وكان الطيب يفوح منه. جعلوا الجسد متشحاً بالحلة الأسقفية في نارثكس الكنيسة. سنة 1717 جرى نقله إلى كاتدرائية زاكنثوس بعدما تعرّض مكانه الأول لتخريب القراصنة الأتراك. جرت بجسده عجائب جمّة وظهورات وعلامات دلّت على أنه ما يزال حياً في المكان. يعتبر شفيع زاكنثوس الأول. ما يزال هناك إلى اليوم.

 

تذكار القديس دانيال النبي، والقديسين الثلاثة الفتيّة حننيا وعازريا وميصائيل (بحسب كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك)

كان دانيال من سبط يهوذا، ومن سلالة ملوك أورشليم. وكان شاباً بالغاً لمّا جاء نبوكدنصّر إلى أورشليم، سنة 606 قبل المسيح، وحاصرها وافتتحها عنوةً، وسبى فريقاً من أهلها، وأخذ شيئاً من آنية القدس، وساق معه بعضاً من الأمراء ومن أبناء الملوك، وكان دانيال بينهم مع رفاقه حننيا وعزريا وميصائيل.

وأمر الملك رئيس خصيانه أن يأخذ من النسل الملكي ومن أمراء اليهود فتياناً لا عيب فيهم، ذوي فهمٍ وعلمٍ وثقافة، فيعلّمهم آداب الكلدانيين وحكمتهم ولسانهم مدّة ثلاث سنوات، ومن بعدها يصبحون أهلاً للوقوف بين يدي الملك. فوقع الإختيار على دانيال ورفقته الثلاثة. فأقامهم رئيس الخصيان في دار الملك، وجعلهم على مائدته، ووكّل أمرهم إلى رائد يرعاهم بعنايته، وأبدل      لهم أسماءهم بغيرها، فدعا دانيال بلشصّر، وحننيا شدرك ، وعزريا عبدنجو، وميصائيل ميشك.

وكان دانيال وأبناء عمّه من الشبّان الأتقياء، الذين يعبدون الله ويخافون ويحفظون وصاياه. فلم يغرّهم ما نالوا من حظوة في عين رئيس الخصيان، ولا ما أجري لهم من الطعام واللحوم والخمور. بل آثروا أن يكتفوا بأكل الحبوب، ولا يتجنّسوا بأكل اللحوم المحرّمة، ولا يسكروا بالخمر التي فيها الدعارة. ولمّا رأى رئيس الخصيان ما هم عليه من التقشّف والزهد خاف على صحتهم أن يعتريها شيء من الذبول، فينال العقاب من الملك على تقصيره، فقالوا له: جرّبنا عشرة أيام. فإن رأيتنا أفضل من سائر الشبّان الذين يملأون بطونهم من أنواع وأطايب اللحوم والخمور، تركتنا وشأننا، وإلاّ أكلنا كما تأمر أنت وتريد. فانذهل رئيس الخصيان لذلك الخطاب وتركهم. وبعد إنقضاء الأيام "بدت مناظرهم أحسن وأسمن من جميع الفتيان الذين يأكلون من طعام الملك".

فنظر الله بعطف إلى أولئك الشبّان الأمراء الأتقياء. وكان دانيال ذا فطنة في جميع الرؤى والأحلام. ولمّا تمّت الأيام لإحضارهم أحضرهم رئيس الخصيان أمام نبوكدنصّر. فتكلّم الملك معهم، فلم يوجد في جميعهم مثل دانيال وحنينا وميصائيل وعزريا. فكانوا يقفون أمام الملك. وفي كل كلام حكمة وفطنة ممّا سألهم عنه الملك وجدهم يفوقون بعشرة أضعاف جميع السحرة والمجوس الذين في مملكته كلّها.

"وفي السنة الثانية من ملك نبوكدنصّر، حلم نبوكدنصّر أحلاماً، فانزعجت نفسه وذهب عنه منامه. فأمر الملك أن يُدعى السحرة والمجوس والعرافون والكلدانيون ليبيّنوا للملك أحلامه. فأتوا ووقفوا أمام الملك". فأمر الملك أن يبيّنوا له ماذا كان حلمه وما هو تفسيره، وإلاّ قطّعهم أرباً وجعل بيوتهم مزابل.

فخرج دانيال وأعلم رفقته الثلاثة بالأمر، وقاموا جميعهم يبتهلون إلى رب السماء، بصلاة حارّة وصوم شديد، لكي يفتح باب رحمته. فكشف الرب السر لدانيال في رؤيا ليل.

ثم قصّى على الملك حلمه كما هو وفسّره. فهذا الحلم الذي رآه نبوكدنصّر الملك، هو رسم الحوادث التي سوف تتعاقب على الدنيا، ورمز المماليك الكبيرة التي سوف يخلف بعضها بعضاً. فرأس التمثال الذي من ذهب يرمز الى ملك نبوكنصّر. والصدر الذي من فضّة هو مملكة ماداي وفارس. والبطن الذي من نحاس هو مملكة الأسكندر الكبير والممالك التي أنشأت على جذوعها، والساقان اللتان من حديد ترمزان إلى المملكة الرومانيّة الشديدة القويّة. والرجلان اللتان من حديد وخزف هما المملكة الرومانيّة أيضاً، إذ تنقسم إلى شرقية وغربية في أواخر القرن الرابع، على عهد ثاوذوسيوس الكبير، وتضعفان كلتاهما أمام غزوات البربر. أمّا الحجر الذي قُطع من الجبل فهو المسيح، الذي سوف يُنشىء مملكة روحيّة تمتّد في الدنيا كلّها، وتجمع الشعوب تحت رايتها، وتدوم إلى دهر الدهور.

وتاه نبوكدنصّرإعجاباً بنفسه، وكبراً بضخامة مملكته. فنصب في بقعة دورا، في ولاية بابل، تمثالاً عظيماً من الذهب، طوله ستون ذراعاً وعرضه ست أذرع. وأرسل أوامره، بواسطة عماله وولاته، إلى جميع شعوب مملكته، أنّهم عندما يسمعون آلات الطرب تعزف، عليهم أن يسجدوا لذلك التيمثال، وأن من لا يسجد له يلقى في أتون النار. فسجدت البلاد، من أقصاها إلى أقصاها، لذلك التمثال، عملاً بأوامر الملك.

أمّا الولاة العبرانيون شدرك وميشك وعبدنجو، فإنّهم أبوا أن يطيعوا أوامر الملك ويعصوا شريعة الله. فوشى الكلدانيون بهم إلى الملك. فاستشاط غضباً، واستدعاهم، ووبّخهم على عصيانهم، وتوّعدهم بأشد العذابات أن هم أصرّوا على عنادهم. لكن أولئك الفتيان كانوا جبابرة في ثباتهم وإيمانهم. فلم يكترثوا لتهديدات ذلك الملك العاتي المستبد.

فأمر نبوكدنصّر عبيده بأن يحموا الأتون سبعة أضعاف. فتصاعدت النيران، حتى أنّها لشدّتها قتلت بعض عبيد الملك الواقفين بوقدونها. وربطوا أولئك الفتيان الثلاثة بثباتهم، وزجّوهم في ذلك الأتون المتّقد. لكن الله الساهر بعين أبوية على أبنائه البررة سمح بأن لا يمسّهم أذى، ولجم عنهم عناصر الطبيعة، ليظهر قدرته الفعّالة ورضاه الجميل عن ولائهم له وتعلّقهم بشريعته. فنزل ملاك من السماء وأبعد اللهيب عنهم، وأقاموا يتخطّرون في الأتون معه. فسبّحوا للرب تلك التسبحة البديعة التي فرضت الكنيسة تلاوتها كل يوم في صلاة السحر: مبارك أنت يا رب آبائنا...

وتطلّع الملك نبوكنصّر فإذا بأربعة رجال يتمشّون وسط النار. فدنا من الأتون ونادى الفتية أن يخرجوا، فخرجوا صامتين بأقمصتهم وألبستهم. فمجّد الملك إله العبرانيين، وأصدر أمراً إلى جميع مملكته بأن يكون ذلك الإله محترماً مهيباً، وبأن كل من يجرؤ على التكلّم عليه بالسوء يقطع إرباً ويصير بيته مزبلة.

ومات نبوكدنصّر، فملك إبنه بلشصّر مكانه، فنسي دانيال. فطغى وتجبّر أكثر من أبيه. لذلك رذله الله، وحكم على مملكته بالدمار، وعلى سلالته بالإنقراض.

وقتل الملك بلشصّر، واستولى داريوس المادي على بابل، وجلس على سرير الملك. وعلم داريوس بما لدانيال من الحكمة والمقام الرفيع، فاستوزره مع إثنين آخرين، وجعل هؤلاء الوزراء الثلاثة على جميع المملكة، التي أقام عليها مئة وعشرين قطباً. فحسده زملاؤه وأخذوا يعملون على إهلاكه. ولما لم يجدوا عليه مشتكى عمدوا إلى حيلة. كانوا يعملون أن لا شيء يثني دانيال عن عبادة الله إلهه. فاجتمعوا لدى الملك وسألوه أن يصدر أمراً مبرماً بأن كل من سأل سؤالاً من إله أو إنسان إلى ثلاثين يوماً، إلاّ من الملك وحده، يُلقى في جب الأسود. فأسرع الملك وأصدر ذلك الأمر. وكانت شرائع ماداي وفارس لا تُنسخ.

فعلم دانيال بالأمر ولم يكترث له. بل ذهب بحسب عادته إلى بيته, ولما كان كل يوم يجثو على ركبتيه ثلاث مرّات ويصلّي إلى الرب، بقي مثابراً على طريقته هذه. فوُشي به إلى الملك. لكنّه لم يستطع شيئاً، لأنّ شريعة ماداي وفارس تقضي بأن كل حكم يبرمه الملك لا يغّير فطرحوا دانيال في جب الأسود.

فلمّا كان الغد، قام الملك عند الفجر وذهب إلى جب الأسود، ليرى ماذا حلّ بدانيال، لعلّ إلهه خلّصه. فناداه بإسمه. فأجاب دانيال وقال: "أيها الملك، حييتَ إلى الأبد. أنّ إلهي أرسل ملاكه فسدّ أفواه الأسود، فلم تؤذني، لأنّي وجدت زكيّاً أمامه وأمامك أيضاً أيها الملك". ففرح به الملك فرحاً عظيماً، وأعاده إلى مكانته، وأمر بأن يُلقى في جب الأسود أولئك الذين وشوا به. فألقوهم هم وبنيهم ونساءهم، فابتلعهم الأسود".

وهكذا كان دانيال ناجحاً في أيام داريوس الملك المادي، كما كان موفّقاً على أيام الملوك الكلدانيين.

ولمّا استولى الفرس على بابل، سنة 538، ودخلها الملك كورش على رأس جيوشه، أكرم دانيال وقرّبه. وكان دانيال إذ ذاك إبن ستٍ وثمانين سنة. وبقي دانيال حيّاً حتى بلّغ سن التسعين. فمات ودفن في بلاد الكلدانيين، ولم يعُد مع الذين عادوا من الجلاء إلى أورشليم. وسوف يبقى دانيال مثال الإيمان الحي والتقوى الصحيحة، التي لا تغترّ بالدنيا وعظمتها.

استشهاد القديس إيسى وتكلا أخته (بحسب الكنيسة القبطية الارثوذكسية)

في مثل هذا اليوم استشهد القديس إيسي (القديس بائسيوس) وتكلا أخته. وكانا من أبوصير غرب الاشمونين. وكان القديس إيسي غنيا جدا. وكان يتصدق علي المساكين بثمن ما يجزه من غنمه. ولما علم إن صديقه بولس مريض بمدينة الإسكندرية، حيث كان يتردد عليها للتجارة، مضي إليه ليعوله ولما أتى إليه وجده قد عوفي من مرضه، فاتفقا معا علي إن يقوما بافتقاد القديسين المسجونين بسبب الاضطهاد. وقد تنبأ عنهما بعض القديسين بأنهما سينالان إكليل الشهادة. وقد حدث ذلك أثناء مجيء القديس بقطر بن رومانوس إلى الإسكندرية. فلما علما بحسن سيرته وزهده للعالم أحبا إن يكونا مثله، فتقديم إيسي إلى الوالي واعترف بالسيد المسيح، فأمر بتعذيبه بأشد أنواع العذابات وكان يعري ويوثق ويعصر، ثم تصوب مشاعل نار إلى جنبيه، وإن يطرح علي الأرض ويضرب بالسياط وتقطع أعضاؤه. وكان صابرا علي هذا جميعه وكان ملاك الرب يقويه ويشفي جراحاته. وكان بولس صديقه يبكي من اجله هو وغلمانه، وظهر ملاك الرب لأخته تكلا وأمرها إن تمضي إلى أخيها، فذهبت إلى البحر واستقلت إحدى السفن، فظهرت لها فيها العذراء والدة الإله وأليصابات نسيبتها وجعلتا تعزيانها في أخيها، وكانت أليصابات تقول لها "إن لي ولدا اخذوا رأسه ظلما". وقالت لها السيدة البتول "إن لي ولدا صلبوه حسدا". وكانت تكلا لا تعرف من هما. ولما التقت بأخيها اتفق الاثنان وتقدما إلى الوالي معترفين بالسيد المسيح، فعذبهما اشد عذاب بالهنبازين وبحرق النار وبالتسمير وسلخ جلد الرأس، وكان الرب يقويهما ويصبرهما. ثم أسلمهما إلى ولده والي ناحية الخصوص، ليذهب بهما إلى الصعيد. فلما سارت بهم السفينة قليلا سكنت الريح فوقفت عن المسير. فأمر إن تؤخذ رأسا إيسي وتكلا أخته، ويطرحا في الشوك والحلفاء، فكان كذلك ونالا إكليل الشهادة. وأوحي الرب إلى قس يسمي آري بشطانوف فاخذ جسديهما. أما بولس صديق إيسي وابلانيوس بن تكلا أخته فقد استشهدا بعد ذلك. شفاعتهم تكون معنا امين.

وفي هذا اليوم أيضاً: استشهاد القديسة بربارة ويوليانة

في مثل هذا اليوم استشهدت القديستان بربارة ويوليانة، كانت بربارة إبنة رجل عظيم من إحدى بلاد المشرق يسمي ديسقورس أيام مكسيميانوس الملك أي في أوائل الجيل الثالث المسيحي، ولشدة محبته لها بني لها برجا لتقيم فيه فرفعت القديسة بصرها إلى السماء من أعلي البرج، وتأملت بهاء السماء وما بها من شمس وقمر وكواكب، واستنتجت انه لابد لها من صانع قادر حكيم، ولن يكون إلا الله تعالي هو صانعها، وأتفق وجود العلامة أوريجانوس في تلك الجهة فعلم بخبر القديسة، وآتي إليها وعلمها مبادئ الدين المسيحي، وكان في الحمام طاقتان فأمرت بفتح طاقة ثالثة، ووضع صليب علي حوض الماء فلما دخل أبوها ورأي التغيير الذي حدث، سألها عن السبب، فقالت له "أما تعلم يا والدي انه بالثالوث الأقدس يتم كل شئ، فهنا ثلاث طاقات علي اسم الثالوث الأقدس، وهذه العلامة هي مثال لصليب السيد المسيح الذي كان به خلاص العالم، فأسألك يا والدي العزيز إن ترجع عن الضلالة التي أنت فيها، وإن تعبد الإله الذي خلقك"، فعندما سمع أبوها هذا الكلام غضب جدا وجرد سيفه عليها، فهربت من أمامه فركض وراءها، وكانت أمامها صخرة انشقت شطرين، فاجتازتها وعادت الصخرة إلى حالتها الأولى، ودار أبوها حول الصخرة فوجدها مختبئة في مغارة، فوثب عليها كالذئب وأخذها إلى الوالي مركيانوس الذي لاطفها تارة بالكلام وأخرى بالوعد ثم بالوعيد، ولكنه لم يستطع إن يسلبها حبها للسيد المسيح، عند ذلك أمر بتعذيبها بأنواع العذاب، وكانت هناك صبية يقال لها يوليانة، شاهدت القديسة بربارة وهي في العذاب، فكانت تبكي لأجلها، وقد رأت السيد المسيح يعزي القديسة بربارة ويقويها، فاستنارت بصيرتها وأمنت بالسيد المسيح، فقطعوا رأسها وراس القديسة بربارة، ونالتا إكليل الشهادة، وقد هلك والدها بعد ذلك بقليل، وكذلك هلك الوالي الذي تولي تعذيبها، أما حوض الماء الذي عليه الصليب المقدس، فقد صار لمائه قوة الشفاء لكل من يغتسل منه، وجعلوا جسدي هاتين القديستين في كنيسة خارج مدينة غلاطية، وبعد سنين نقلوا جسد القديسة بربارة إلى مصر في الكنيسة التي سميت باسمها إلى اليوم، شفاعتها تكون معنا آمين.

وفي هذا اليوم أيضاً: نياحة القديس أنبا صموئيل المعترف

في مثل هذا اليوم تنيح القديس الأنبا صموئيل رئيس دير القلمون. ولد في دكلوبا من كرسي ميصيل، من أبوين قديسين ولم يكن لهما ولد سواه، وكان أبوه ارسلاؤس قسا فابصر في رؤيا الليل شخصا مضيئا يقول له " لابد لولدك هذا إن يؤتمن علي جماعة كثيرة ويكون مختارا للرب طول أيام حياته"، وكان صموئيل طاهرا منذ صغره مثل صموئيل النبي، وكانت تساوره دائما فكرة الرهبنة، وفي بعض الأيام وجد وسيلة للذهاب إلى برية شيهيت ولم يكن يعرف الطريق، فظهر له ملاك الرب في شبه راهب ورافقه كأنه يقصد الدير مثله إلى إن وصلا إلى جبل شيهيت، وهناك سلمه لرجل قديس يسمي أنبا اغاثو فقبله عنده كما أرشده الملاك، حيث أقام ثلاث سنين طائعا في كل ما يأمره به، وبعد ذلك تنيح الشيخ القديس اغاثو وتفرغ القديس صموئيل للصلوات والأصوام الكثيرة، حتى انه كان يصوم أسبوعا أسبوعا، فقدموه قسا علي كنيسة القديس مقاريوس، وحدث إن أتى إلى البرية رسول يحمل طومس لاوون، فلما قراه علي الشيوخ غار الأنبا صموئيل غيرة الرب، ووثب وسط الجماعة وامسك المكتوب ومزقه قائلا " محروم هذا الطومس وكل من يعتقد به، وملعون كل من يغير الامانة المستقيمة التي لأبائنا القديسين "، فلما رأي الرسول ذلك اغتاظ وأمر بغضب إن يضرب بالدبابيس ثم يعلق من ذراعه ويلطم فصادفت إحدى اللطمات عينه فقلعتها، ثم طرد من الدير، فظهر له ملاك الرب وأمره إن يمضي ويسكن في القلمون، فمضي إلى هناك وبني ديرا أقام فيه مدة يعلم الملتفين حوله ويثبتهم علي الامانة المستقيمة، واتصل خبره بالمقوقس حاكم مصر فأتي إليه وطلب منه إن يعترف بمجمع خلقيدونية، وإذ لم يذعن لرأيه ضربه وطرده من الدير، فمضي وسكن في إحدى الكنائس، وبعد حين عاد إلى الدير، واتفق مجيء البربر إلى هناك، فأخذوه معهم في رجوعهم إلى بلادهم، فصلي إلى السيد المسيح إن ينقذه منهم، فكان كلما اركبوه جملا لا يستطيع القيام به، فتركوه ومضوا، ثم عاد هو إلى ديره، وأتي البربر إلى هناك مرة ثانية وأخذوه معهم إلى بلادهم وكانوا قد سبوا قبل ذلك الأنبا يوأنس قمص شيهيت، فاجتمع الاثنان في السبي وكانا يتعزيان معا، وحاول آسره إن يغويه لعبادة الشمس، ولما لم يستطع إلى ذلك سبيلا، ربط رجله مع رجل جارية من جواريه، وكلفهما رعاية الإبل قصدا منه إن يقع معها في الخطية، وعندئذ يتسلط عليه فيذعن لقوله، كما أشار عليه إبليس، وفي هذا جميعه كان القديس يزداد شجاعة وقوة قلب، ولم يزل علي هذا الحال حتى مرض ابن سيده مرض الموت، فصلي عليه فشفاه، فشاع خبره في تلك البلاد، وكان يأتي إليه كل من به مرض، فيصلي عليه ويدهنه بزيت فيبرا، فاحبه سيده كثيرا واعتذر إليه واستغفره، وعرض عليه إن يطلب ما يريد، فطلب إن يأمر بعودته إلى ديره، فأعاده، ولدي وصوله اجتمع حوله كثيرون من أولاده الذين كانوا قد كثروا جدا حتى بلغوا الألوف، وظهرت له السيدة العذراء وقالت له إن هذا الموضع هو مسكني إلى الأبد، ولم يعد البربر يغيرون علي هذا الدير، وقد وضع هذا الآب مواعظ كثيرة ومقالات شتي وتنبأ عن دخول الإسلام مصر، ولما قربت أيام نياحته جمع أولاده وأوصاهم إن يثبتوا في مخافة الله والعمل بوصاياه ويجاهدوا في سبيل الإيمان المستقيم إلى النفس الأخير، وتنيح بسلام، صلاته تكون معنا ولربنا المجد دائمًا أبديًا آمين..

وفي هذا اليوم أيضاً: نياحة البابا ياروكلاس الـ "13"

في مثل هذا اليوم من سنة 240 م. تنيح الأب القديس ياروكلاس بابا الإسكندرية الثالث عشر، وقد ولد من والدين وثنيين إلا أنهما أمنا وتعمدا بعد ولادته، وكانا قد أدباه بالحكمة اليونانية ثم بالحكمة المسيحية، ودرس الأناجيل الأربعة والرسائل، فرسمه القديس ديمتريوس بابا الإسكندرية الثاني عشر شماسا ثم قسا علي كنيسة الإسكندرية فنجح في الخدمة، وكان أمينا في كل ما أؤتمن عليه، ولما تنيح الأب ديمتريوس انتخب القديس ياروكلاس لرتبة البطريركية، فرعي رعية المسيح أحسن رعاية، ورد كثيرين من الصابئة وعمدهم وقد كرس جهوده علي التعليم والوعظ وإرشاد المخالفين، كما سلم للقديس ديونوسيوس النظر في الأحكام وتدبير أمور المؤمنين. وأقام علي الكرسي ثلاث عشر سنة، وتنيح بسلام، صلاته تكون معنا آمين..