الأب محفوض: القيامة في الكتاب المقدّس!
"تتضمّن القيامة بحسب تعليم الكتاب المقدَّس قيامة الأجساد وتغييرها وبقاءها إلى الأبد. فيختلف هذا التّعليم إذًا عن عقيدة المصريّين القدماء التي تقول بأن الـ "باء" أو الشّخصيّة الهيوليّة للإنسان الميت كانت تقوم بزيارة جسمه المحنَّط من وقت إلى آخر. ويختلف أيضًا هذا التّعليم عن الرّأي الذي قال به الفيلسوف اليونانيّ أفلاطون إنّ النّفس هي الخالدة فحسب. ويختلف أيضًا عن القيامة والعودة إلى الأرضيّة المألوفة كما حدث في قيامة ابن أرملة نايين، وكما حدث أيضًا في قيامة لعازر. ويمكن أن ندرس موضوع القيامة بحسب ما يأتي:
القيامة في العهد القديم:
يَظهرُ من الإيمان بالإثابة والجزاء الوارد في أيوب (25:19-27) بأنّ القيامة مفهومة ضمنًا. وكذلك تُذكر القيامة ضمنـًا في المواضيع التي يعبَّر فيها عن رجاء الحياة الآتية مع اللّه وفي حضرته في المزامير ويحدِّثنا إشعيا (19:26) عن قيامة المؤمنين، وكذلك يعلّم دانيال (2:12) عن قيامة البعض للحياة الأبديّة وقيامة آخرين للعارّ والازدراء الأبديّ. ويصف حزقيال في إصحاح 37 نوعًا من القيامة يرمز إلى نهوض شعب اللّه.
القيامة في العهد الجديد:
أ. قيامة المسيح: أخبر المسيح بقيامته من بين الأموات مرات عديدةً قَبْلَ صلبه وموته. ولكن لم يدركِ التّلاميذُ هذه الأقوال تمامًا إلّا بعد قيامة المسيح من بين الأموات. وأصبحت قيامة المسيح إحدى الدّعائم الأساسيّة القويَّة التي بنيت عليها مناداة الرّسل فكان محور تبشيرهم أنّ المسيح قد قام من بين الأموات.
وتقدّم الأناجيل وسفر أعمال الرّسل ورسائل العهد الجديد براهين وحججًا للقيامة لا يمكن أن يتطرّق إليها الشّكّ وهي:
- القبر الفارغ:
تحقّق لنا الأناجيل الأربعة بأنّ القبر الذي وضع فيه جسد يسوع بعد الصّلب وجِدَ في فجر أحد القيامة فارغًا خاليًا خاويـًا .
وأنّ لفائف الكتّان والأكفان التي لُفَّ بها جسد يسوع وربِطَت حول رأسه وجِدَت موضوعة بطريقة جعلت يوحنّا يوقن بأنّ جسد المخلِّص خرج من هذه اللّفائف والأربطة بطريقة معجزة من دون أن تُحَلَّ اللّفائف أو تُفكَّ الأكفان. وقد أوضح الملاك حقيقة القبر الفارغ بالقول "إنّه قد قام وقد رشى بعض قادة اليهود ورؤسائهم الحرس ليقولوا إنّ تلاميذه أتوا ليلاً وهم نيام فسرقوه .
ولكن يظهر بطلان هذه الأكذوبة في أنّ تلاميذ يسوع نادوا بالقيامة محقّقين إيّاها بالرّغم ممّا جلبت عليهم هذه المناداة من السّجن والموت. وقد حقّق بطرس القيامة بشجاعة وقوَّة في أورشليم حيث كان القبر الذي وُضِعَ فيه جسد يسوع قريبًا وكان في استطاعة أيّ إنسان أن يراه فارغًا.
- ظهور المسيح بعد القيامة:
ظهر المسيح بعد القيامة لشهود كثيرين في أماكن عديدة متفرّقة يبعد أحدها عن الآخر مسافات شاسعة، وقد ظهر أيضًا في ظروف ومناسبات متعدّدة ومتباينة:
أ. فقد ظهر لمريم المجدليّة (مرقس 9:16)
ب. للمريمتين (متّى 9:28)
ت. لبطرس (1 كورنثوس 5:15)
ث. للتّلميذين اللّذين كانا ذاهبين إلى عمواس (لوقا15:24-31)
ج. للرّسل العشرة وفي هذه لمسوا يسوع وجسّوه، وأكل أمامهم فأثبت لهم أنّهم لا يرون رؤيا بل يرون حقًّا المسيح القائم (لوقا 34:24-43)
ح. وظهر للأحد عشر رسولاً وتوما معهم ولم يكن توما موجودًا في المرة السّابقة التي ظهر فيها المسيح للرّسل ولذلك ارتاب ولم يؤمن إلّا لمَّا ظهر لهم يسوع وتوما معهم (يوحنّا 21:20-38)
خ. ظهر لسبعة من التّلاميذ كانوا يصطادون في بحر الجليل (يوحنّا 1:21-24)
د. وظهر للأحد عشر رسولاً على الجبل في الجليل (متَّى 16:28-17)
ذ. وظهر لخمس مئة من المؤمنين (1 كورنثوس 6:15).
ر. ثمّ ظهر ليعقوب (1 كورنثوس 7:15)
ز. وظهر للأحد عشر رسولاً فوق جبل الزّيتون عند الصّعود (أعمال الرّسل 2:1-9)
س. ثم ظهر لشاوول الطّرسوسيّ وقت أن كان عدوًّا للمسيحيّين وكان ذاهبـًا إلى دمشق ليضطهدهم (أعمال الرّسل 1:9-5). هذه السّحابة من الشّهود الكثيري العدد تؤيّد، من غير شكّ، حقيقة قيامة يسوع المسيح من بين الأموات كحقيقة تاريخيّة ثابتة.
- التّغيير الذي حدث في حياة التّلاميذ:
قبل أن رأى التّلاميذ يسوع القائم وقبل أن سمعوه كانوا في حالة ذروة من اليأس والخوف (لوقا 17:24) و(يوحنا 20: 19). أمّا عندما رأوا المسيح القائم وعندما سمعوه، وعندما حلَّ عليهم الرّوح القدس الذي أرسله عليهم حدث تغيير عجيب معجز في حياتهم فتحوَّلوا من اليأس إلى الرّجاء، ومن الخوف إلى الثّقة والاطمئنان. وانطلقوا ينادون بالمسيح المصلوب المقام غير هيَّابين ومن دون خوف أو وجل.
- إقامة العبادة المسيحيّة في اليوم الأوّل من الأسبوع:
كان يوم السّبت هو يوم العبادة عند اليهود وفقـًا للوصيّة الرّابعة. إلّا أنّ المسيحيّين الأوّلين، وكان كثيرون منهم من أصل يهوديّ، كانوا يجتمعون في اليوم الأوّل من الأسبوع للعبادة وكسر الخبز، وما حدث هذا التّغيير إلّا إكرامًا لقيامة المسيح التي تمَّت في يوم الأحد.
إنَّ قيامة المسيح برهان قويّ على أنَّه اللّه وهي تحقّق لنا خلاصنا من الخطيئة وتبريرنا. وهي مصدر قوَّة الحياة المسيحيّة وهي أقوى ضمان للمؤمنين به على أنّهم سيقومون من بين الأموات.
القيامة العامّة
لقد علَّم المسيح بوضوح بأنّ الموتى سيقومون. ولقد نقض حجَّة الصّدوقيّين الذين كانوا ينكرون القيامة من أساسها. وأوضح لنا أنّه بعد القيامة لا يزوِّجون ولا يتزوَّجون، وأنه لا يكون بعدها موت جسديّ. وكثيرًا ما نرى تعليم المسيح عن القيامة العامّة مرتبطًا بتعليمه عن الدّينونة النّهائيّة.
وقد علَّم الرّسل أيضًا عن القيامة العامّة التي فيها يقوم الأبرار والخطأة عند الدّينونة الأخيرة. ويظن بعضهم أنَّ "القيامة الأولى" المذكورة في رؤيا (5:20) تشير إلى قيامة أجساد الشّهداء. ويظنّ آخرون أنَّ هذه العبارة تشير إلى انتقال أرواح المؤمنين إلى السّماء. ويصف الكتاب المقدَّس جسد المؤمنين في القيامة بأنّه يكون في "عدم فناء" وفي "مجد" وفي "قوّة" وبأنَّه سيتغيَّر إلى شبه جسد المسيح المجيد (فيلبّي 21:3). ويستخدم الرّسول بولس القيامة كحافز للمؤمنين ليحفظوا أجسادهم نقيّة ويتجنّبوا الخطايا الجسديّة."
