دينيّة
01 آذار 2026, 14:00

الأب محفوض: ما هي الأرثوذكسيّة؟

تيلي لوميار/ نورسات
ما هو أحد الأرثوذكسية، لماذا تحتفل به الكنيسة الأرثوذكسيّة اليوم؟ علامَ تقوم هذه الأرثوذكسيّة؟ الأجوبة في السّطور الآتية مع خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض.

"اليوم هو أحد الأرثوذكسيّة، وتحتفل به الكنيسة الأرثوذكسيّة كعلم لاهوت وككنيسة وحياة. لذا، فهو لا يقتصر على الإيمان الأرثوذكسيّ فحسب، بل على الحياة الأرثوذكسيّة - إنّه الأرثوذكسيّة والحياة الأرثوذكسيّة.

ما هي الأرثوذكسيّة؟ إنّه سؤالٌ يحتاج إلى إجابة. لا تكفي عظةٌ قصيرةٌ من عظة القدّاس الإلهيّ للإجابة على سؤالٍ كهذا، سؤال "ما هي الأرثوذكسيّة والحياة الأرثوذكسيّة". مع ذلك، سأحاول الآان، في أحد الأرثوذكسيّة، أن أعبّر عن بعض معانيها.

الأرثوذكسيّة تقوم على حقائق محددة ومتعدّدة :

- الأرثوذكسية هي قرارات المجامع المسكونيّة، أيّ العقائد التي صاغتها هذه المجامع، وكذلك المجامع المحلّيّة التي اعترفت بها. عند قراءة محاضر وقرارات المجامع المسكونيّة، يتّضح جوهر الأرثوذكسيّة.

- الأرثوذكسية هي محتوى العمل المهمّ المكوّن من خمسة مجلّدات بعنوان "فيلوكاليا النّبتيين المقدّسين"، والذي يُبيّن السّبيل إلى بلوغ تجربة اللّه، أيّ الهدوء المقدّس المقترن بالتّوبة والصّلاة ونقاء القلب. "فيلوكاليا النّبتيين المقدّسين" عبارة عن مجموعة من أعمال آباء الكنيسة، تتناول موضوع الهدوء المقدّس.

وهذا يُبيّن جوهريًّا طريقة بلوغ المعرفة الرّوحيّة الباطنيّة باللّه، وما تُعبّر عنه العقائد، أيّ بنود المجامع المسكونيّة.

- الأرثوذكسيّة هي عبادة كنيستنا وأسرارها، وعلى رأسها سرّ القربان المقدّس، إلى جانب فنوننا الكنسيّة، أيّ التّرانيم الكنسيّة، والموسيقى الكنسيّة، وفنّ الأيقونات الكنسيّة، والأيقونات المقدّسة.

- الأرثوذكسيّة هي التّصوّر الصّحيح عن اللّه والخلق". فالأرثوذكسيّة، أيّ الإيمان الصّحيح، هي الحقّ ذاته. ووفقًا لاعتراف المسيح نفسه "أنا هو الطّريق والحقّ والحياة"، فهو الحقّ المتجسّد. لا يمكننا إيجاد الحقّ ومعرفته إلّا في شخص المسيح؛ ولذلك لا يمكننا الخلاص إلّا بالمسيح. وبناءً على ما سبق، فإنّ الأرثوذكسيّة - الحقّ - هي المسيح، الذي هو الحقّ الأزليّ.

 

- الأرثوذكسيّة هي الإيمان الصّحيح والعبادة الصّحيحة للّه. الأرثوذكسيّة هي المسيحيّة النّقيّة، الكنيسة الحقيقيّة التي أسّسها المسيح وحفظها لخلاص البشريّة. ولكن ما هي الحقيقة التي قدّمها لنا المسيح؟ وأين تبقى هذه الحقيقة نقيّة صافية غير مشوبة؟ يكمن الجواب في الكتاب المقدّس، حيث تُسمّى الكنيسة نفسها "عمود الحقّ وقاعدته" (1 تيموثاوس 3: 15). لا يصل الإنسان إلى الحقّ، أيّ إلى المسيح (الأرثوذكسيّة المتجسّدة)، إلّا في جسده، أيّ الكنيسة.

- الأرثوذكسيّة ليست عقيدة مسيحيّة محدّدة، بل هي ذات طابع عام وعابر للزّمان. لم تُخلق الأرثوذكسيّة من خلال التّجريدات والانقسامات، بل هي الحقيقة الواحدة الموحّدة. إنّها حقيقة الكنيسة، حقيقة جسد المسيح، التي تُشارك ولا تُقسّم، والتي تُوزّع وتُوحّد.

- حقيقة الأرثوذكسيّة هي حقيقة محبة اللّه للبشريّة؛ إنّها هبة التّدبير الإلهيّ، التي تخلق في المؤمنين التزامًا ومسؤوليّة مُقابلين: الالتزام والمسؤوليّة من أجل السّلام والوحدة فيما بينهم.

- الكنيسة الأرثوذكسيّة ليست واحدة من بين كنائس عديدة، بل هي كنيسة المسيح الموحّدة. وهي كذلك ليس لأنّ الأرثوذكس يرغبون في ذلك، بل لأنّها انبثقت من التّراث المسيحيّ.

- الأرثوذكسيّة ليست أيديولوجيّة، بل هي الحقّ والحياة. إنّها تُجلّ خصوصيّة النّاس، ولغتهم، وتقاليدهم، وعاداتهم. فكما اتّخذ المسيح بتجسّده الطّبيعة البشريّة كاملة، كذلك تتخذ كنيسة المسيح، الكنيسة الأرثوذكسيّة، كلّ ما هو بشريّ في التّاريخ.

- الأرثوذكسيّة ليست قيمة موضوعيّة يُمكن لأحد استخدامها وفقًا لأهوائه ورغباته. الأرثوذكسيّة ليست ملكًا لمن يظنّ أنّه يملكها. لا أحد يملك الأرثوذكسيّة، بل هي ملك له. لا أحد يستطيع توظيف الأرثوذكسيّة في مخطّطاته لإدانة الآخرين أو قتالهم، أو لصنع المتعصبين أو التّحوّل إليهم.

-عندما نعتبر أنفسنا أعضاءً في الكنيسة الأرثوذكسيّة، أعضاءً في جسد المسيح، لا يمكننا تجاهل انقسامات العالم المسيحيّ. فالألم الذي تُسببه هذه الانقسامات هو ألمنا نحن. ويجب أن يكون السّعي للقضاء عليها همّنا جميعًا. ولكن لكي نساعد مسيحيّي الطّوائف الأخرى، لسنا بحاجة إلى التّنازل عن إيماننا. فبمثل هذه التّنازلات نخون أنفسنا ونخونهم، لأنّهم بحاجة إلى الحقيقة المسيحيّة نقيّة.

-الأرثوذكسية هي المعرفة الحقيقية باللّه وتوقيره. هي عبادة اللّه بالرّوح والحقّ. هي تمجيد اللّه الحقّ، ومعرفته وعبادته. هي تمجيد اللّه من قِبَل الإنسان، خادم اللّه الحقّ، الذي يُمنح له بنعمة الرّوح القدس. الرّوح القدس هو مجد المسيحيّ. الأرثوذكسيّة هي تعليم الرّوح القدس الذي أنزله اللّه على الإنسان لخلاصه.

تتألف كلمة "الأرثوذكسيّة" من كلمتين يونانيتين:  ορθή"أورثوي"  و"δόξα"  دوكسا". تعني كلمة "دوكسا" من جهة، المذهب أو الرّأي الذي نتبنّاه حول مسألة ما، ومن جهة أخرى، تعني التّمجيد. هذان المعنيان متلازمان ومتكاملان. فالأرثوذكسيّة تعني الإيمان الحقّ والتّمجيد الحقّ للّه.

إنّ الأرثوذكسيّة بدون ممارسة صحيحة أسوأ من الهرطقة، فهي نفاقٌ وسخرية، ولذلك فإنّ أخطر المهرطقين هو المسيحيّ الذي يؤمن بشيء ويفعل عكسه، مُضحّيًا بالحقّ والفضيلة والتّقاليد من أجل مصالحه الشّخصيّة.

الأرثوذكسيّة ليست متحفًا للماضي، بل هي الحياة والإبداع والإشعاع. إنه لشرف عظيم أن نكون أرثوذكس، ولكنّه أيضًا مسؤوليّة عظيمة وكنز لا يُقدّر بثمن، علينا من جهة الحفاظ عليه، ومن جهة أخرى أن نختبره في حياتنا اليوميّة."