البابا: أغادر أفريقيا حاملًا معي كنزًا لا يقدّر بثمن من الإيمان والرّجاء والمحبّة
وفي عظته، قال البابا بحسب "فاتيكان نيوز": "أودُّ قبل كلّ شيء أن أتوجّه بتحيّة مودّة إلى هذه الكنيسة الخاصّة في مالابو وراعيها، وأعرب في الوقت عينه عن خالص تعازي لكافّة أبناء الأبرشيّة، وللإخوة الكهنة، ولعائلة الفقيد، لرحيل نائبها العامّ، المونسنيور فورتوناتو نسوي إيسونو، قبل أيّام قليلة، والّذي نذكره اليوم في هذا الاحتفال الإفخارستيّ. وبالتّالي إذ أدعوكم لعيش هذه اللّحظة من الألم بروح الإيمان، أنا كلّيّ ثقة بأنّه سيتمّ جلاء الحقيقة كاملة حول ظروف وفاته، بعيدًا عن الانقياد وراء التّعليقات أو الاستنتاجات المتسرّعة.
إنّ القراءات الّتي أصغينا إليها للتّوّ تستجوبنا، وتسأل كلّ واحد منّا إذا كنّا نعرف كيف نقرأ الصّفحات البيبليّة الّتي نتشاركها اليوم، وكيف نقرأها. إنّها دعوة جادّة بقدر ما هي تدبيريّة، لأنّها تعدّنا لنقرأ معًا كتاب التّاريخ، أيّ صفحات حياتنا، الّتي يستمرّ الله في إلهامها بحكمته. من خلال مشاركته في مسيرة عابر سبيل، كان عائدًا من أورشليم إلى أفريقيا تحديدًا، سأله الشّمّاس فيليبّس: "هَل تَفهَمُ ما تَقرَأ؟". فأجابه ذلك الحاج، وهو خصي لملكة الحبشة، على الفور بفطنة متواضعة: "كَيفَ لي ذلك، إِن لم يُرشِدْني أَحَد؟". وهكذا، لا يصبح سؤاله مجرّد نداء للحقيقة، بل تعبيرًا عن فضول معرفيّ. لننظر بعناية إلى الّذي يتحدّث: إنّه رجل غنيّ، مثل أرضه، ولكنّه عبد. كلّ الكنوز الّتي يديرها ليست ملكه، وتعبه يذهب لصالح الآخرين. يمتلك هذا الرّجل ذكاءً وثقافة، ويظهر ذلك في عمله وفي صلاته، ولكنّه ليس حرًّا تمامًا. وهذا الوضع مطبوع بألم على جسده: فهو في الواقع "خصي". لا يمكنه أن يولِّد حياة، وكلّ طاقاته مسخرّة لخدمة سلطة تسيطر عليه وتهيمن عليه.
وبينما هو عائد إلى وطنه، أفريقيا، الّتي أصبحت بالنّسبة له مكان عبوديّة، يحرّره إعلان الإنجيل. إنّ كلمة الله الّتي بين يديه تحمل ثمرة مذهلة في حياته: فعندما التقى بفيليبّس، شاهِد المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات، لم يبقَ الخصي مجرّد قارئ للكتاب المقدّس، أيّ مجرّد مشاهد، بل أصبح بطل رواية تشمله، لأنّها تتعلّق به شخصيًّا. فالنّصّ المقدّس يخاطبه ويثير سؤاله عن الحقيقة. وهكذا يدخل هذا الأفريقيّ في الكتاب المقدّس، الّذي يفتح أبوابه لكلّ قارئ يريد أن يفهم كلمة الله. يدخل في تاريخ الخلاص، المنفتح والمضياف لكلّ رجل وامرأة، ولاسيّما للمُضطهدين والمهمّشين والأخيرين. والآن، يقابل النّصّ المكتوب لفتة معاشة: فإذ نال المعموديّة، لم يعد غريبًا، بل أصبح ابنًا لله، وأخًا لنا في الإيمان. هذا الرّجل، الّذي كان عبدًا وبلا نسل، يولد ثانية لحياة جديدة وحرّة باسم الرّبّ يسوع: وعن فدائه ما زلنا نتحدّث اليوم، في الوقت الّذي نقرأ فيه الكتب المقدّسة!
على مثاله أصبحنا نحن أيضًا مسيحيّين بواسطة المعموديّة، وورثنا النّور عينه، أيّ الإيمان عينه، لنقرأ كلمة الله. لنتأمّل في النّبوءات، ولنصلّي المزامير، ولندرس الشّريعة ونعلن الإنجيل بحياتنا. إنّ جميع النّصوص البيبليّة، في الواقع، تكشف عن معناها الحقيقيّ في الإيمان، لأنّها بالإيمان كُتبت ونُقلت إلينا: لذا فإنّ قراءتها هي دائمًا فعل شخصيّ وفعل كنسيّ في آن واحد، وليست تمرينًا فرديًّا أو مجرّد إجراء تقنيّ. نحن نقرأ الكتاب المقدّس معًا كخير مشترك للكنيسة، مسترشدين بالرّوح القدس الّذي ألهم كتابته، وبالتّقليد الرّسوليّ الّذي حفظه ونشره في كلّ الأرض. وكما طلب الخصي، يمكننا نحن أيضًا أن نفهم كلمة الله بفضل مرشد يرافقنا في مسيرة الإيمان، كما كان الشّمّاس فيلبّس، الّذي "َشَرَعَ مِن هذه الفقَرةِ يُبَشِّرُه بِيَسوع". كان المسافر الأفريقيّ يقرأ نبوءة تمّت من أجله آنذاك كما تتمّ من أجلنا اليوم: فالعبد المتألّم، الّذي يتحدّث عنه النّبيّ أشعيا، هو يسوع، الّذي يفدينا من الخطيئة والموت من خلال آلامه وموته وقيامته. هو الكلمة الّذي صار بشرًا، وفيه تجد كلّ كلمة من كلمات الله تمامها: فهو يكشف قصدها الأصيل، ومعناها الكامل، وغايتها النّهائيّة.
وكما يؤكّد المسيح، في الواقع "وحده الَّذي أَتى مِن لَدُنِ الآب فهو الَّذي رأَى الآب". في الابن، يظهر الآب مجده: الله يجعل نفسه مرئيًّا، ومسموعًا، وملموسًا. ومن خلال أفعال يسوع الفادي، يعطي الله ملأ لما يفعله دائمًا: إعطاء الحياة. هو يخلق العالم، ويخلّصه، ويحبّه إلى الأبد. ويذكّر يسوع سامعيه بعلامة من علامات هذه العناية المستمرّة: "آباؤُكُم أَكَلوا المَنَّ في البَرِّيَّة". وهو يشير بذلك إلى خبرة الخروج: مسيرة تحرّر من العبوديّة، ولكنّها أصبحت ترحالًا منهكًا دام أربعين عامًا، لأنّ الشّعب لم يؤمن بوعد الرّبّ، بل تمنّى العودة إلى مصر. تحت نير فرعون، في الواقع، كان الشّعب يأكل من ثمار الأرض؛ أمّا الله فقد قادهم إلى البرّيّة، حيث لا يأتي الخبز إلّا من عنايته. وبالتّالي فالمنُّ هو اختبار وبركة ووعد جاء يسوع ليحقّقه. وتلك العلامة القديمة يتبعها الآن سرّ العهد الجديد والأبديّ: الإفخارستيّا، الخبز المقدّس من لدن ذاك الّذي نزل من السّماء ليصير طعامًا لنا. فإذا كان الّذين قد أكلوا المنّ "ماتوا"، فإنّ من يأكل هذا الخبز يحيا إلى الأبد، لأنّ المسيح حيّ! هو القائم من بين الأموات، ويستمرّ في بذل حياته من أجل الجميع.
من خلال الخروج النّهائيّ الّذي هو فصح يسوع، يتحرّر كلّ شعب من عبوديّة الشّرّ. وبينما نحتفل بحدث الخلاص هذا، يدعونا الرّبّ إلى خيار حاسم: "مَن آمَنَ فلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّة". في يسوع، تُمنح لنا إمكانيّة مذهلة: الله يبذل نفسه من أجلنا. هل أثق في أنّ حبّه هو أقوى من موتي؟ باختيارنا أن نؤمن به، يختار كلّ واحد منّا بين يأس حتمي ورجاء يجعله الله ممكنًا. عندها يجد جوعنا إلى الحياة والعدالة ارتواءً في كلمة يسوع: "والخُبزُ الَّذي سَأُعْطيه أَنا، هوَ جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم".
شكرًا لك يا ربّ! نحن نسبّحك ونباركك، لأنّك أردت أن تصير من أجلنا إفخارستيّا، خبز حياة أبديّة، لكي نحيا نحن إلى الأبد. الآن بالذّات، أيّها الأعزّاء، وبينما نحتفل بسرّ الخلاص هذا، يمكننا أن نهتف بفرح: "المسيح هو كلّ شيء لنا!" فيه نجد ملء الحياة والمعنى: "إذا كنت مُضطهدًا من الإثم، فهو العدالة؛ وإذا كنت بحاجة إلى عون، فهو القوّة؛ وإذا كنت تخشى الموت، فهو الحياة؛ وإذا كنت ترغب في السّماء، فهو الطّريق؛ وإذا كنت في الظّلمات، فهو النّور". برفقة الرّبّ، لا تختفي مشاكلنا، بل تستنير: وكما يجد كلّ صليب فداءً في يسوع، كذلك يجد سرد حياتنا معنىً في الإنجيل. لذلك يمكن لكلّ منّا اليوم أن يقول: "تَبارَكَ الله الَّذي لَم يَرفُض صَلاتي وَلَم يُمسِك رَحمَتَهُ عَنّي". هو يحبّنا أوّلًا، ودائمًا: كلمته هي لنا إنجيل، وليس لدينا شيء أفضل لنعلنه للعالم. إنّ هذه البشارة تشملنا جميعّا بدءًا من المعموديّة، الّتي هي سرّ الأخوَّة، وغسل الغفران، وينبوع الرّجاء. ومن خلال شهادتنا، يصبح إعلان الخلاص لفتة، ويصبح خدمة، ويصبح مغفرة: بكلمة واحدة، يصبح كنيسة!
وكما علّمنا البابا فرنسيس، حقًّّا "إنّ فرح الإنجيل يملأ قلب وحياة الّذين يلتقون بيسوع". وفي الوقت عينه، عندما نشارك هذا الفرح، نشعر بشكل أفضل بخطر "الحزن الفردانيّ الّذي ينبع من القلب المترفّه والأنانيّ، ومن البحث المرضيّ عن الملذّات السّطحيّة، ومن الضّمير المنعزل. فعندما تنغلق الحياة الدّاخليّة على مصالحها الخاصّة، لا يبقى هناك مكان للآخرين، ولا يدخل الفقراء، ولا يُسمع صوت الله، ولا نعود نتمتّع بفرح حبّه العذب". وأمام حالات الانغلاق هذه، فإنَّ محبّة الرّبّ هي الّتي تعضد التزامنا، لاسيّما في خدمة العدالة والتّضامن.
لذلك أشجّعكم جميعًا، أنتم الكنيسة الّتي تعيش في غينيا الاستوائيّة، على الاستمرار بفرح في رسالة تلاميذ يسوع الأوائل. بقراءتكم الإنجيل معًا، كونوا مبشّرين شغوفين به، كما كان الشّمّاس فيليبّس. وباحتفالكم بالإفخارستيّا معًا، اشهدوا بحياتكم للإيمان الّذي يخلّص، لكي تصبح كلمة الله خبزًا صالحًا للجميع!".
وفي ختام الذّبيحة الإلهيّة، وجّه الأب الأقدس كلمة قال فيها: "أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، لقد حانت لحظة وداعكم، ووداع غينيا الاستوائيّة وأفريقيا أيضًا، مع ختام هذه الزّيارة الرّسوليّة الّتي منحني الله نعمة القيام بها طوال الأيّام العشرة الماضية. أعرب عن امتناني لرئيس الأساقفة وللسّادة الأساقفة والإخوة الكهنة، ولكم جميعًا، يا شعب الله الحاجّ في هذه الأرض الّتي تستقبل منذ مئة وسبعين عامًا بذار الإنجيل الصّالحة. كما يتوجّه شكري إلى السّلطات المدنيّة في البلاد وإلى كلّ من ساهم، بطرق مختلفة، في إنجاح زيارتي.
أغادر أفريقيا حاملًا معي كنزًا لا يقدّر بثمن من الإيمان والرّجاء والمحبّة؛ كنزًا صيغ من قصص ووجوه وشهادات، فرحة ومتألّمة، تُغني بوفرة حياتي وخدمتي كخليفة لبطرس. وكما كان الحال في قرون الكنيسة الأولى، فإنّ أفريقيا مدعوّة اليوم للمساهمة بشكل فعّال في قداسة الشّعب المسيحيّ وهويّته الإرساليّة. أُوكل هذه النّيّة إلى شفاعة العذراء مريم، الّتي أستودعكم بين يديها من أعماق قلبي، أنتم وعائلاتكم وجماعاتكم وأمّتكم وسائر الشّعوب الأفريقيّة."
