الفاتيكان
12 أيار 2026, 05:00

البابا: يمكن للرّأفة والتّعاطف أن تكونا أدواتنا لاستعادة كرامة الآخر

تيلي لوميار/ نورسات
أكّد البابا لاون الرّابع عشر على حاجة العالم اليوم إلى الرّأفة والتّعاطف الإنسانيّ، فـ"هما دعوة من الله لتعكس جودته في حياتنا اليوميّة"، إذ يمكن أن تكونا "أدواتنا لاستعادة كرامة الآخر".

كلام البابا جاء خلال استقباله صباح الإثنين في الفاتيكان المشاركين في النّدوة الثّامنة بين دائرة الحوار بين الأديان والمعهد الملكيّ للدّراسات الدّينيّة، إذ كانت له كلمة قال فيها نقلًا عن "فاتيكان نيوز": "يسعدني أن أحيّيكم جميعًا، وأعرب عن امتناني لحضوركم هنا بمناسبة هذه النّدوة الثّامنة، الّتي تنظّمها بشكل مشترك دائرة الحوار بين الأديان والمعهد الملكيّ للدّراسات الدّينيّة. إنّ الموضوع الّذي اخترتموه لهذا العام، "الرّأفة والتّعاطف الإنسانيّ في العصر الحديث"، يأتي في وقت يحتاجه عالمنا اليوم بشكل خاصّ. ففي الواقع، ليست هذه المشاعر ثانويّة، بل هي مواقف أساسيّة في تقاليدنا الدّينيّة، وجوانب جوهريّة لما يعنيه عيش حياة إنسانيّة حقّة.

يربط التّقليد الإسلاميّ بين الرّأفة والرّحمة، باعتبارها هبة يضعها الله في قلوب المؤمنين، ويذكّرنا أحد الأسماء الحسنى، "الرّؤوف"، بأنّ الرّأفة منبعها دائمًا هو الله نفسه. وفي التّقليد المسيحيّ أيضًا، يكشف الكتاب المقدّس عن إله لا يبقى غير مبالٍ بالمعاناة، بل يقول لموسى: "إنّي قد رأيت مذلّة شعبي... وسمعت صراخهم". وفي يسوع المسيح، تصبح هذه الرّأفة الإلهيّة مرئيّة وملموسة؛ إذ يتجاوز الله مجرّد الرّؤية والسّمع باتّخاذ طبيعتنا البشريّة ليصبح التّجسّد الحيّ للرّأفة. واقتداءً بمثال يسوع، تصبح الرّأفة المسيحيّة مشاركة في معاناة الآخرين أو "تألّمًا معهم"، ولاسيّما مع الفئات الأكثر ضعفًا. ولهذا السّبب، فإنّ "محبّة الفقراء- أيًّا كان شكل فقرهم- هي العلامة الإنجيليّة للكنيسة الأمينة لقلب الله".

بالنّسبة لتقاليدنا، لا تُعدّ الرّأفة والتّعاطف الإنسانيّ شيئًا إضافيًّا أو اختياريًّا، بل هما دعوة من الله لتعكس جودته في حياتنا اليوميّة. لذلك، لهذا الاعتقاد آثار اجتماعيّة؛ فقد علّم البابا لاوُن الثّالث عشر أنّ الفقراء والمهمّشين يستحقّون اهتمامًا ومساعدة خاصّة من المجتمع والدّولة. وفي هذا الصّدد، أودّ أن أعرب عن تقديري للجهود السّخيّة الّتي تبذلها المملكة الأردنيّة الهاشميّة في استقبال اللّاجئين ومساعدة المحتاجين في ظلّ ظروف صعبة.

أيّها الأصدقاء الأعزّاء، إنّ الرّأفة والتّعاطف معرّضان للأسف لخطر التّلاشي اليوم. لقد جعلنا التّقدّم التّكنولوجيّ أكثر اتّصالًا من أيّ وقت مضى، لكنّه قد يؤدّي أيضًا إلى اللّامبالاة. فالتّدفّق المستمرّ لصور ومقاطع فيديو لمعاناة الآخرين قد يؤدّي إلى قسوة قلوبنا بدلًا من تحريكها. وقد حذّرنا البابا فرنسيس من أنّنا "اعتدنا على معاناة الآخرين [ظانّين]: إنّها لا تؤثّر عليّ، ولا تهمّني، وليست من شأني". وهذا النّوع من الفتور أصبح أحد أخطر التّحدّيات الرّوحيّة في عصرنا. وفي مثل هذا السّياق، يُدعى المسيحيّون والمسلمون، إذ يستلهمون من غنى تقاليدنا، إلى مهمّة مشتركة: إحياء الإنسانيّة حيثما بردت، وإعطاء صوت للّذين يتألّمون، وتحويل اللّامبالاة إلى تضامن. يمكن للرّأفة والتّعاطف أن تكونا أدواتنا، لما لهما من قوّة في استعادة كرامة الآخر.

آمل أن يبقى الأردنّ شاهدًا حيًّا على هذا النّوع من الرّأفة، ورمزًا للحوار والتّضامن والرّجاء في منطقة مثقلة بالمحن. أتمنّى أن يثمر تعاوننا بوادر ملموسة للسّلام والتّعاطف والأخوّة. وكما أنّنا في تقاليدنا نلتمس السّلام كأحد أهمّ بركات الله، فإنّي أستمطر بركة الله عليكم جميعًا. الرّبّ معكم. ولتحلَّ بركة الله القدير، الآب والابن والرّوح القدس، عليكم وتبقى معكم دائمًا. آمين."