عوده: باب التّوبة مفتوح والكنيسة أمّ تنتظر عودة أبنائها
وبعد الإنجيل، ألقى عوده عظة قال فيها: "أحبّائي، يضعنا الإنجيل المقدّس اليوم أمام أحد أعمق الأمثال الّتي أعطاها الرّبّ يسوع وأغناها بالمعاني الرّوحيّة، هو مثل الإبن الشّاطر أو الضّالّ، الّذي هو في الحقيقة إنجيل كامل للتّوبة، وصورة حيّة لعلاقة الله بالإنسان السّاقط، كما يكشف لنا في الوقت عينه عمق حرّيّة الإنسان وخطورة إساءة استعمالها. هذا المثل لا يروي قصّةً تاريخيّةً، بل يشرح مسيرة كلّ نفس بشريّة تخرج من بيت الآب، ثم تعي خطأها وتدعى للعودة إليه.
حين طلب الإبن الأصغر، وفي هذا إشارة إلى فتوته وعدم وعيه الكامل، نصيبه من الميراث، لم يكن يطلب مالًا فقط، بل كان يطلب استقلالًا عن أبيه، وحياةً بلا مرجعيّة. هكذا تفهم الكنيسة الخطيئة في جوهرها. فهي ليست مجرّد مخالفة لوصيّة، بل رفض للشّركة مع الله، ومحاولة للعيش بمعزل عن نعمته. يقول القدّيس أثناسيوس الكبير إنّ الإنسان حين يبتعد عن الله لا يصير أكثر حرّيّةً، بل يعود إلى العدم الّذي أخذ منه.
خرج الإبن إلى كورة بعيدة حيث بدّد كلّ ما أعطي له. لم يخسر المال فقط بل خسر صورته كإبن. فحين انفصل عن أبيه، انفصل عن ذاته الحقيقيّة. هذا ما يعلنه الرّسول بولس بوضوح في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، حين يحذّر من خداع الحرّيّة الزّائفة قائلًا: "كلّ شيء مباح لي، ولكن ليس كلّ شيء يوافق. كلّ شيء مباح لي لكن لا يتسلّط عليّ شيء". فالحرّيّة، في المفهوم المسيحيّ، ليست أن أفعل ما أشاء، بل أن أكون عبدًا لله وحده، لأنّ من يخدم الشّهوات يصير عبدًا لها وإن ظنّ نفسه حرًّا، ومن يستعبد لله تكون له الحرّية الحقيقيّة.
حين حدثت المجاعة في البلد الّذي قصده الإبن الأصغر، لم تكن مجاعة خبز فقط، بل كانت مجاعةً إلى محبّة وكرامة ومعنًى للحياة. فالخطيئة تجرّد الإنسان من إنسانيّته، وتجعله يعيش دون الكرامة الّتي خلق من أجلها. يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ إنّ الشّبع الكاذب الّذي تعد به الخطيئة ينتهي دائمًا بجوع أشدّ، لأنّ النّفس لا تشبع إلّا بالله.
نصل إلى لحظة حاسمة في المثل عندما يشتهي الإبن أن يملأ بطنه من الخرنوب الّذي كانت تأكله الخنازير فلم يعطه أحد، "فرجع إلى نفسه". هذه العبارة تختصر كلّ تعليم الكنيسة عن التّوبة. فالتّوبة ليست مجرّد شعور بالذّنب، ولا خوفًا من العقاب، بل يقظة داخليّة، رجوع إلى النّفس وعودة العقل والقلب إلى نور الحقّ. إنّها ما يسمّيه الآباء "تغيير الذّهن"، أيّ تحوّل النّظرة إلى الله والذّات والعالم. يقول القدّيس إسحق السّريانيّ إنّ التّوبة هي عطيّة من الله قبل أن تكون جهدًا من الإنسان، لأنّ الله هو الّذي يوقظ القلب ويدعوه إلى الرّجوع.
عندما رجع الإبن إلى أبيه لم يبرّر خطاياه، ولم يلق باللّوم على الظّروف، بل اعترف قائلًا: "أخطأت إلى السّماء وأمامك". هذا الاعتراف الصّادق هو الأساس الّذي تبنى عليه حياة التّوبة في الكنيسة. فالاعتراف الّذي يظنّه البعض إذلالًا للإنسان، هو تحرير له. إنّه الوقوف في نور الله، بلا أقنعة ولا أعذار، لأنّ الخطيئة المخفيّة تبقى حيّةً، أمّا المعترف بها فتموت، لأنّ النّور يقتل الظّلمة كما يعلّم القدّيس باسيليوس الكبير.
هنا تلتقي رسالة اليوم مع المثل الإنجيليّ، إذ يذكّرنا الرّسول بولس بأنّ الجسد ليس للزّنى بل للرّبّ، وأنّه هيكل للرّوح القدس. فالخطيئة، بحسب فكر الكنيسة، ليست شأنًا خاصًّا أو تصرّفًا فرديًّا بلا نتائج، بل هي اعتداء على قدسيّة الإنسان، وتشويه لصورة الله فيه. من هنا أهمّيّة سرّ الاعتراف، حيث تشفى النّفس ويقدّس الجسد ويستعيد الإنسان الصّورة الّتي خلق عليها، والشّركة المكسورة مع الله.
عندما عاد الإبن، لم يقف الأب بعيدًا ينتظر تبريرات أو وعودًا، بل ركض إليه واحتضنه وأعاده إبنًا قبل أن يسمعه عبدًا. هذه المبادرة الإلهيّة تكشف لنا قلب الله الآب الّذي يسبق توبتنا برحمته. يقول القدّيس كيرلّس الأورشليميّ إنّ الله لا يقيس توبتنا بماضي خطايانا بل بصدق عودتنا.
الحلّة الأولى والخاتم والحذاء الّتي ألبسها لابنه، ليست رموزًا شكليّةً، بل علامات استعادة الكرامة المفقودة. فالإعتراف لا يترك الإنسان في موقع الذّنب، بل يرفعه إلى فرح البنوّة. الوليمة الّتي أقامها الأب تشير إلى الفرح السّماويّ والشّركة الإفخارستيّة الّتي تعطى للإنسان المتصالح مع نفسه ومع الله.
المثل لا يتجاهل خطرًا آخر، هو خطر الحسد الّذي تجلّى في الإبن الأكبر، الّذي بقي في البيت جسديًّا، لكنّ قلبه كان بعيدًا. خطيئة هذا الأخ هي الكبرياء، أمّ كلّ الشرور، الّتي تحرم الإنسان من الفرح بعطايا الله وتقدير النّعم الّتي يغدقها عليه. تعلّمنا الكنيسة أن نتذكّر دائمًا أنّنا أناس خطأة، كما أكّد بولس الرّسول في رسالته إلى أهل رومية: "الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" (3: 23) وأن نصرخ باستمرار مع كاتب المزامير "إنّي عارف بإثمي وخطيئتي أمامي في كلّ حين" (50: 3)، مجاهدين في عيش الفضائل والابتعاد عن الرّذائل، واعين خطايانا وهفواتنا، لكي ننمو في حياة التّوبة. فتبرير الذّات والحسد والكبرياء ورفض توبة الآخرين وإدانتهم، كلّها تعوق دخولنا الفرح الإلهيّ. هنا، تذكّرنا الكنيسة بأنّ التّوبة ليست فقط للخطأة الظّاهرين، بل لكلّ إنسان يظنّ نفسه بارًّا.
مثل الإبن الشّاطر هو كشف لطّبيعة العلاقة بين الله والبشر. فالإبنان يرمزان إلى البشر المنقسمين على بعضهم، وإلى تعاطيهم مع الله الممثّل بالأب الحنون. لذا تدعونا الكنيسة في هذا الأحد إلى الاقتداء بالإبن الشّاطر في رحلة عودته إلى الآب، وتوبته عن خطاياه، تدعونا إلى تغيير نمط حياتنا وسلوكنا، لأنّ التّوبة ليست كلامًا يعبّر عن النّدم بل هي تحوّل جذريّ في النّظرة إلى العالم، عودة إلى النّفس، وانعتاق من الشّهوات والأهواء، وتنقية للقلب من الكبرياء والحقد والحسد والدّينونة. أساس سرّ التّوبة هو إدراكنا الواعي لخطايانا وعودتنا بلهفة إلى المسيح المتحنّن، المنتظر قدومنا بفرح ليلبسنا الحلّة والخاتم والحذاء، ويعيدنا إلى الحياة.
كم نحن بحاجة أيضًا إلى هذه العودة إلى أحضان الوطن الّذي أساء إليه البعض بسلب خيراته، والبعض الآخر بادّعاء الدّفاع عنه فأوصله إلى الخراب، والبعض هجره أو طالب بحصّته منه وبذّرها، والجميع لم يعلنوا التّوبة بعد، ولم يقوموا بخطوة كي يصلحوا ما أفسدوه. لكن الوقت لم يفت لكي يعي الجميع أخطاءهم ويعلنوا توبتهم ويعيدوا إلى الوطن وحدته، ويحافظوا معًا على سيادته، ويبرزوا معًا دوره، ويعملوا معًا على إعادته إلى دوره الرّياديّ الفاعل.
يا أحبّة، إنّ مثل الإبن الشّاطر ورسالة اليوم يدعواننا إلى فحص عميق لحياتنا: هل نعيش كأبناء يعرفون أنّهم قد اشتروا بثمن باهظ هو دم المسيح الإله؟ هل نستخدم حرّيّتنا لمجد الله، أم نبدّدها في كورة بعيدة "في العيش بخلاعة" كما يقول الإنجيل، أيّ في الخطيئة والبعد عن الله؟ إنّ باب التّوبة مفتوح، والكنيسة أمّ تنتظر عودة أبنائها كما كان الأب ينتظر ابنه الأصغر بشوق وفرح، وسرّ الاعتراف قائم ليكون لنا ولادةً جديدةً وقيامةً يوميّةً، إلى أن نبلغ الفرح الكامل في ملكوت الآب، آمين."
