شكر الرّئيس العامّ للرّهبانيّة المارونيّة الأباتي إدمون رزق الله على مريم الّتي حقّقت بحبّها وتواضعها صورة الإنسان الجديد، الّذي يحمل الخلاص للآخرين ويعمل من أجل مشروع الله الخلاصيّ.
وكان رزق قد احتفل بقدّاس عيد سيّدة التّلّة في دير القمر، بمشاركة لفيف من الكهنة والرّهبان، وبحضور عدد من الفعاليّات وحشد من المؤمنين، وقد خاطبهم بالمناسبة قائلًا، نقلًا عن إعلام الرّهبانيّة:
“ما أجمل عيد مريم الّذي يجمعنا معًا، كفراخ تحت جناحي أمّ متفانية، أمّ تجمع أبناءها بالرّغم من اختلافاتهم، تسهر عليهم، تحميهم، وتشجّعهم لينموا ويكونوا من أبناء الإيمان، فيزرعوا الخير والسّلام أينما حلّوا! أليس الأبناء صورة الوالدين؟ إذًا، ألا نستطيع أن نحمل في صميمنا صورة أمّنا الّتي حقّقت، بحبّها لله وتسليمها لكلمته، صورة الإنسان الّذي لا يعيش لذاته، بل يجعل حياته رسالةً في خدمة الله والإنسان، ويحمل مشروع الله الخلاصيّ إلى العالم؟
أيّها الإخوة والأخوات،
لقد سبق دخول مريم في تاريخ البشريّة انتظار طويل: اشتاق إليها الأنبياء، ولو لم يعرفوا اسمها، لإنّهم كانوا يترقّبون المرأة الّتي سيولد منها المخلّص. لمّح إليها سفر التّكوين في وعد الله بالمرأة الّتي ينتصر نسلها على الحيّة (تك 3: 15)، وأشار إليها إشعيا بقوله: “ها إنّ العذراء تحبل وتلد ابنًا” (إش 7: 14)، ورأى فيها آباء الكنيسة تابوت العهد الجديد، والعليقة المشتعلة الّتي لم تحترق، والباب الّذي عبر منه الرّبّ وبقي مغلقًا، والسّلّم الّذي وصل السّماء بالأرض.
ولذلك تغنّى بها القدّيسون عبر العصور: فرأى فيها القدّيس إيريناوس حوّاء الجديدة الّتي حلّت بطاعتها عقدة عصيان حوّاء الأولى، وأنشد لها مار أفرام السّريانيّ أجمل التّراتيل، معتبرًا أنّها “القيثارة الّتي عزف الله عليها لحن الخلاص”. أمّا القدّيس شربل العظيم فهو قال “من كان للعذراء عبدًا، لن يدركه الهلاك أبدًا.”
إنّ عظمة مريم تكمن في اتّحادها بالله وقربها من الإنسان. هي أمّ تعرف معنى الإصغاء، لأنّ حياتها كلّها كانت إصغاءً لكلمة الله. وهي أمّ تعرف معنى الاحتضان، لأنّها احتضنت ابن الله واحتضنت معه كلّ إنسان يريد الاقتراب من الله. وهي أمّ تعرف معنى الألم، لأنّها وقفت بثبات عند الصّليب، تشارك ابنها آلامه، وتحمل في قلبها آلام البشريّة كلّها.
لهذا لا يزال المؤمنون يقصدونها في كلّ زمان، وهي لا تردّ طالبًا، بل ترفع معه صلاته إلى ابنها، وتقود كلّ قلب إلى ابنها، مصدر السّلام والخلاص.
وفي عالم يمتلئ بالحروب والانقسامات والخوف، تبقى مريم رسولة السّلام. سلامها الّذي يذكّرنا بحضور الله في حياتنا. وهي تعلّمنا أنّ السّلام يبدأ عندما نصغي إلى الله، ونثق بمواعيده، ونقبل أن نكون أدوات لعمله، مهما بدت الظّروف صعبةً أو غامضةً.
أيّها الأحبّة،
اليوم، عندما نناجي سيّدة التّلّة، نناجي أمًّا رافقت أجيالًا من المؤمنين. هي ليست أمّ مسيحيّي هذه المنطقة فقط، بل هي أمّ جميع سكّانها، ونحن اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، بحاجة إلى حضورها. وهي لا تردّ خائبًا.
كم من إنسان صعد إلى هذا المكان وهو يحمل همومه، وعاد بقلب أكثر سلامًا! كم من أمّ وضعت أبناءها بين يديها! كم من شابّ طلب نورًا لقراره! وكم من مريض وجد في الصّلاة عندها عزاءً لا يستطيع العالم أن يمنحه!
فيا مريم، سلطانة الجبال والبحار ومليكة لبناننا العزيز، الذّي شئت أن يكون لك رمزًا، ننشد لك مع طوباوينا الجديد البطريرك إلياس الحويّك: “نسألك أن ترمقي بنظرك الوالديّ جميع بنيك وتبسًكي يديك الطّاهرتين وتباركيهم.”
يا سيّدة التّلّة، أيّتها السّاهرة على أرض الشّوف ونفوس أبنائها،
اليوم نصلّي كي تزيدينا إيمانًا، لأنّ الشّكوك كثرت.
نحن بحاجة إلى رجائك، لأنّ اليأس يحاول أن يتسلّل إلى القلوب.
نحن بحاجة إلى سلامك، لأنّ عالمنا فقد الكثير من سلامه.
نحن بحاجة إلى أن نتعلّم التّواضع منك، لأنّ الإنسان أصبح يثق بنفسه أكثر ممّا يثق بالله.
نطلب منك، يا سيّدة التلّة، أن تبقي أمًّا لهذا الدّير، ولهذه الرّعيّة، ولهذه الأرض، وأن تكوني سيّدة بيتنا وقلبنا في كلّ زمان ومكان. علّمينا أن نقول لله كلّ يوم: “ليكن لي بحسب قولك”، فبالسّير على خطاك لن نضيّع طريق الله أبدًا، لأنّك تقوديننا دائمًا إلى يسوع.
فليكن عيدك اليوم دعوةً لنا لكي نجدّد إيماننا، ونقوّي رجاءنا، ونعيش محبّتنا، حتّى نستحقّ، بشفاعتك، أن نبلغ مع المسيح الملكوت الحقيقيّ، حيث الفرح الّذي لا ينتهي، والمجد الّذي لا يزول. آمين.”



