الفاتيكان
17 شباط 2026, 09:45

البابا للجمعيّة الأكاديميّة الحبريّة للحياة: لشهادة فعّالة لموقف الرّعاية المتبادلة الّذي يعبّر عن أسلوب الله

تيلي لوميار/ نورسات
ثمّن البابا لاون الرّابع اختيار الجمعيّة العامّة للأكاديميّة الحبريّة للحياة موضوع "الرّعاية الصّحيّة للجميع. الإستدامة والعدالة"، كمحور لاجتماعهم هذا العام، لآنيّته ولرمزيّته.

البابا وخلال استقباله المشاركين في الاجتماع، أبدى تقديره لذلك في كلمة توجّه بها إليهم، قائلًا بحسب "فاتيكان نيوز":

"أقدّر جدًّا الموضوع الّذي اخترتموه لاجتماعكم هذا العام: "الرّعاية الصّحّيّة للجميع. الاستدامة والعدالة". إنّه موضوع ذو أهمّيّة بالغة، سواء من حيث آنيّته أو من المنظور الرّمزيّ. ففي عالم تمزّقه الصّراعات، الّتي تستنزف موارد اقتصاديّة وتكنولوجيّة وتنظيميّة هائلة لإنتاج الأسلحة والمعدّات الحربيّة، يصبح من الأهمّيّة بمكان تخصيص الوقت والقوى والكفاءات لحماية الحياة والصّحّة. وكما أكّد البابا فرنسيس، فإنّ الصّحّة "ليست سلعة استهلاكيّة، بل هي حقّ عالميّ، لذا لا يمكن أن يكون الوصول إلى الخدمات الصّحّيّة امتيازًا". أشكركم على هذا الاختيار.

ثمّة جانب أوّل أودّ التّأكيد عليه، وهو الرّابط بين صحّة الجميع وصحّة كلّ فرد. لقد أثبتت لنا جائحة فيروس الكورونا ذلك بطريقة كانت قاسية أحيانًا. فقد أصبح جليًّا أنّ التبادليّة والاعتماد المتبادل هما أساس صحّتنا وحياتنا. إنّ دراسة هذا الاعتماد المتبادل تتطلّب حوارًا بين معارف مختلفة: الطّبّ، السّياسة، الأخلاق، الإدارة وغيرها؛ تمامًا كما في لوحة الفسيفساء، الّتي يعتمد نجاحها على اختيار القطع وطريقة دمجها معًا. في الواقع، وفيما يتعلّق بالأنظمة الصّحّيّة والصّحّة العامّة، يتعلّق الأمر من جهة بفهم الظّواهر، ومن جهة أخرى بتحديد الإجراءات السّياسيّة والاجتماعيّة والتّكنولوجيّة الّتي تخصّ العائلة، والعمل، والبيئة، والمجتمع بأسره. لذا، فإنّ مسؤوليّتنا تكمن- بالإضافة إلى اتّخاذ تدابير لعلاج الأمراض وضمان العدالة في الوصول إلى الرّعاية- في الإدراك كيف تتأثّر الصّحّة وتتعزّز بمجموعة من العوامل، وهذا الأمر يتطلّب فحصًا ومعالجةً في إطار من التّعقيد.

وفي هذا السّياق، أودّ أن أعيد التّأكيد على ضرورة التّركيز ليس "على الرّبح الفوريّ، بل على ما هو أفضل للجميع، مع التّحلّي بالصّبر والكرم والتّضامن، وخلق الرّوابط وبناء الجسور، للعمل ضمن شبكة، ولتحسين الموارد، لكي يشعر الجميع بأنّهم فاعلون ومستفيدون من العمل المشترك". وهنا نجد موضوع الوقاية، الّذي يحمل بدوره رؤية واسعة: فالظّروف الّتي تعيش فيها الجماعات، الّتي هي نتاج سياسات اجتماعيّة وبيئيّة، تترك أثرًا على صحّة الأشخاص وحياتهم. وعندما نفحص مأمول العمر- والعمر المتمتّع بالصّحّة- في مختلف البلدان والمجموعات الاجتماعيّة، نكتشف تفاوتات هائلة. وهي تعتمد على متغيّرات مثل، على سبيل المثال، مستوى الدّخل، والمؤهّل العلميّ، وحيّ السّكن (حتّى داخل المدينة الواحدة). وللأسف، لا يمكننا اليوم أن نغفل الحروب الّتي تطال المنشآت المدنيّة، بما في ذلك المستشفيات، وتشكّل الاعتداء الأكثر عبثيّة الّذي توجّهه يد الإنسان ضدّ الحياة والصّحّة العامّة. غالبًا ما يُقال إنّ الحياة والصّحّة هما قيمتان أساسيّتان بالتّساوي للجميع، لكن هذا الادّعاء يبدو منافقًا إذا ما تمّ في الوقت عينه تجاهل الأسباب الهيكليّة والخيارات التّشغيليّة الّتي تحدِّد عدم المساواة. فبالرّغم من الإعلانات والبيانات، لا يتمّ احترام جميع الأرواح بالتّساوي في الواقع، ولا تُحمى الصّحّة أو تُعزّز للجميع بنفس الطّريقة.

يمكن أن يساعدنا مفهوم "صحّة واحدة" كقاعدة لنهج عالميّ متعدّد التّخصّصات ومتكامل للقضايا الصّحّيّة. فهو يشدّد على البعد البيئيّ والاعتماد المتبادل بين أشكال الحياة المتعدّدة والعوامل الإيكولوجيّة الّتي تسمح بنموّها المتوازن. ومن المهمّ أن ننمو في الوعي بأنّ الحياة البشريّة تصبح غير مفهومة وغير مستدامة بدون المخلوقات الأخرى. وفي الواقع، وكما جاء في الرّسالة العامّة "كُن مسبّحًا"، "نحن جميع كائنات الكون متّحدون بروابط غير منظورة ونؤلّف نوعًا ما أسرة عالميّة، وشركة سامية تدفعنا إلى احترام مقدّس ومحبّ ومتواضع". هذا التّوجّه يتماشى تمامًا مع الأخلاقيّات الحيويّة العالميّة الّتي اهتمّت بها أكاديميّتكم دائمًا، والّتي يحسن الاستمرار في رعايتها. إنّ مفهوم "صحّة واحدة"، إذا تُرجم إلى لغة العمل العامّ، يتطلّب دمج البعد الصّحّيّ في جميع السّياسات (النّقل، الإسكان، الزّراعة، العمالة، التّعليم، وما إلى ذلك)، مع الإدراك بأنّ الصّحّة تُبنى عند تقاطع جميع أبعاد الحياة الاجتماعيّة. نحن بحاجة إذًا إلى تعزيز فهمنا وممارستنا للخير العامّ، لكي لا يتمّ إهماله تحت ضغط المصالح الخاصّة، الفرديّة والوطنيّة.

إنّ الخير العامّ- الّذي يشكّل أحد المبادئ الأساسيّة للفكر الاجتماعيّ للكنيسة- يواجه خطر أن يبقى مفهومًا مجرّدًا وغير مهمّ إذا لم نعترف أنّه يتجذّر في الممارسة الملموسة لعلاقات القرب بين الأشخاص والرّوابط المعاشة بين المواطنين. هذا هو المسار الّذي يمكن أن تنمو فيه ثقافة ديمقراطيّة تعزّز المشاركة وتكون قادرة على الجمع بين الكفاءة والتّضامن والعدالة. وبالتّالي ينبغي استعادة الرّابط بالموقف الأساسيّ للرّعاية كدعم وقرب من الآخر، ليس فقط لأنّه في حالة عوز أو مرض، بل لأنّه يشارك في حالة وجوديّة من الهشاشة تجمع جميع البشر. بهذه الطّريقة فقط سنكون قادرين على تطوير أنظمة صحّيّة أكثر فاعليّة واستدامة، قادرة على تلبية الاحتياجات الصّحّيّة في عالم ذي موارد محدودة، واستعادة الثّقة في الطّبّ وفي العاملين الصّحّيّين، رغم المعلومات المضلّلة والشّكوك تجاه العلم. ونظرًا للبعد العالميّ لهذه القضيّة، أعيد التّأكيد على ضرورة إيجاد طرق فعّالة لتعزيز العلاقات الدّوليّة والمتعدّدة الأطراف، لكي تتمكّن من "استعادة القوّة الضّروريّة للقيام بدور اللّقاء والوساطة، الضّروريّ لمنع النّزاعات، وألا يغرى أحد بالتّعدّي على الآخر بمنطق القوّة، سواء كانت لفظيّة أو جسديّة أو عسكريّة". وهذا الأفق ينطبق أيضًا على التّعاون والتّنسيق الّذي تقوم به المنظّمات الدّوليّة الملتزمة بحماية الصّحّة وتعزيزها.

وها هي أمنيتي الختاميّة لكم، أيّها الأعزّاء: ليعطِ التزامكم شهادة فعّالة لذلك الموقف من الرّعاية المتبادلة الّذي يعبّر عن أسلوب الله تجاهنا، لأنّه يعتني بكلّ أبنائه. من كلّ قلبي أبارك كلّ واحد منكم، وأبارك أحبّاءكم وعملكم."