خيرالله: تعالوا نعمل معًا على بناء السّلام
أتوجّه إليكم ليلة عيد ميلاد مخلّصنا يسوع المسيح، ملك السّلام، متمنّيًا أن يكون ميلادَ السّلام الّذي نرجوه منذ سنوات طويلة لنا ولوطننا لبنان ولشعوب المنطقة الّتي اختار ابن الله أن يولد فيها إنسانًا.
وأتوجّه بنوع خاصّ إلى رعايانا البعيدة في الجبل الّتي تفتقد إلى أبنائها وبناتها المقيمين خارجها والمنتشرين في العالم لتحتفل معهم بفرحة العيد.
وإلى عائلاتنا الّتي تشارك الطّفل الإلهيّ يسوع الفقر والفاقة والحرمان والحالة الاجتماعيّة البائسة والهجرة والتّهجير، متمنّيًا لها أن يولد فيها يسوع بالبساطة والتّواضع وفرح اللّقاء.
وإلى شبابنا وصبايانا الصّامدين في رعاياهم أو أولئك المتطلّعين إلى البعيد ليبنوا لهم مستقبلًا، متمنّيًا أن يحمل لهم ميلاد هذه السّنة رجاءً جديدًا وقوّة على الثّبات في إيمانهم وإلإرادة بالبقاء في وطنهم.
ميلاد هذه السّنة هو بالنّسبة إلينا ميلاد السّلام بامتياز.
يبشّرنا فيه صوت الملاك، كما بشر الرّعاة، بالفرح العظيم، فرح ولادة المخلّص المسيح الرّبّ ملك السّلام. ويدوّي في آذاننا نشيد الملائكة: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السّلام والرّجاء الصّالح لبني البشر"(لوقا 2/10-14).
ويطلّ علينا نجم الميلاد ليقودنا، كما قاد المجوس من المشرق إلى بيت لحم حيث المولود ملك اليهود ليسجدوا له، إلى المغارة حيث نكتشف سرّ الإله الّذي يولد إنسانًا بيننا في الفقر والتّواضع لا في القصور وبهرجات الغنى والتّكابر. إنّه سرّ الحبّ المطلق، سرّ ابن الله الّذي تنازل عن ألوهيّته ليصير إنسانًا ويتبنّى البشريّة الضّعيفة ويرفعها إلى سرّ الألوهة.
يجدر بنا إذًا أن نشكره على هذه النّعمة وأن نتنازل عن أنانيّتنا وكبريائنا وتعلّقنا بمادّيات الدّنيا لنشهد له في البساطة والتّواضع والمحبّة، وأن نسجد له بصمت، مع يوسف ومريم، ونغمض عيوننا عن هذه الفانية، كما كان يفعل القدّيس شربل، لنتأمّل في السّرّ الإلهيّ.
هل نسمع، في صخب الأعياد وضوضاء الأسواق، نشيد الملائكة يدعونا إلى أن نسير معًا بفرح وابتهاج لأنّ المخلّص قد ولد لنا؟ وهل نعي في هذا الجوّ الصّاخب أنّ الله تجسّد وصار لنا أخًا، ويبقى إلى الأبد الله معنا؟
وهل نرى نجم المسيح يسطع في ظلمة عالمٍ يتهافت على السّباق إلى التّسلّح وإذكاء روح الحقد والكراهيّة والانتقام وإشعال نار الحروب في مناطق عدّة من العالم؟ وهل نسمح له أن يضيء دربنا نحو مذود المخلّص؟ وهل نستنير به لنفهم أنّنا أصبحنا بالمسيح أخوةً لبعضنا البعض وأبناء متساوين لله الآب الّذي صالحنا بالمسيح وسلّمنا خدمة المصالحة؟ (2 قور 5/18-19).
نحتفل بميلاد يسوع المسيح هذه السّنة، بينما نختتم السّنة اليوبيليّة للرّجاء، ونحن مدعوّون إلى التّأمّل في إرادة الله الخلاصية فينا والاتّعاظ من التّاريخ، لنتذكّر أنّ المسيح وحده هو الرّجاء الّذي لا يخيّب.
بعد معاناة خمسين سنة من مخاض حروب فرضت علينا ودارت على أرضنا وجعلتنا نتقاتل في ما بيننا بحقد وكراهيّة وعنف وانتقام، نحن مدعوّون إلى مسيرة مصالحة وبناء السّلام.
نحن واعون أنّنا "شعب الصّمود، شعب لا يستسلم، شعب الرّجاء"، كما قال لنا قداسة البابا لاون الرّابع عشر في خلال زيارته لنا، وأنّنا شعب يريد السّلام ويصرّ على العيش معًا باحترام متبادل.
الرّوح القدس يقودنا بنور المسيح ويهدي طريقنا إلى المصالحة عبر "نزع السّلاح من قلوبنا أوّلًا"، ثمّ عبر "شفاء جراح الماضي وتعزيز ثقافة المصالحة لبناء السّلام العادل والدّائم والشّامل في لبنان الموحّد"، كما قال البابا لاون الرّابع عشر، مع الحفاظ على التّنوّع الغنيّ الّذي يشكّل فرادة دعوتنا ورسالتنا، ويقودنا بالتّالي في مسيرةٍ لتنقية الذّاكرة من أجل قيامة لبنان ونهوضه من جديد.
بناء السّلام هو مسؤوليّة كلّ واحد منّا لنستحقّ معًا الطّوبى لفاعلي السّلام.
تعالوا نعمل معًا على بناء السّلام بركائزه الثّلاث:
أوّلَا، الاعتراف بالآخر الشّريك في الوطن واحترامه
ثانيًا، الحوار المنفتح في الحقيقة والمحبّة والإصغاء المتبادل
ثالثًا، فتنتصر فينا قوّة المغفرة والمصالحة.
فلنجعل نور المسيح يضيء قلوبنا ويقودنا إلى ولادة جديدة.
ميلاد الرّبّ يسوع يحمل معه عطيّة السّلام ويدعونا إلى أن نصبح في عالمنا أنبياء الرّجاء وشهود المحبّة وصانعي السّلام.
فلنجعل من ميلاد سنة 2025 مناسبة لولادة السلام في قلوبنا وفي عائلاتنا وفي بيوتنا وفي كنيستنا وفي وطننا، بشفاعة مريم العذراء ملكة السّلام وجميع قدّيسينا."
