العراق
03 نيسان 2023, 07:50

عرس الشّعانين الرّوحيّ يتكرّر في قره قوش برئاسة البطريرك يونان

تيلي لوميار/ نورسات
إحتفل بطريرك السّريان الكاثوليك مار إغناطيوس يوسف الثّالث يونان بالقدّاس الإلهيّ الحبريّ لمناسبة عيد الشّعانين، على مذبح كنيسة الطّاهرة الكبرى- قره قوش (بخديدي)، العراق، عاونه فيه لفيف من المطارنة، بمشاركة عدد من الإكليروس وحشد غفير من المؤمنين.

في عظته بعد الإنجيل المقدّس، بعنوان "مباركٌ الآتي باسم الرّبّ"، عبّر البطريرك يونان عن عميق فرحه بالاحتفال بعيد الشّعانين في قره قوش، فقال: "ما أحلى هذا اليوم الّذي هو عيد الشّعانين، عيد بخديدي بشكل خاصّ. قبل حوالي الشّهر والنّصف، بعد رسامة مطرانكم الجديد مار بنديكتوس يونان، وعدناه أن نأتي إليكم، أيّها الأحبّاء، لنشارككم فرحة هذا العيد الّذي هو أجمل أعيادنا، لأنّه مليءٌ بالفرح، حيث أنّ الجميع، صغارًا وكبارًا، وليس فقط التّلاميذ، استقبلوا يسوع وهو يدخل إلى أورشليم بهذه البساطة والتّواضع الّتي أدهشتهم، هاتفين "أوشعنا، مباركٌ الآتي باسم الرّبّ". نحتفل معًا بهذا العيد، سواء المقيمين هنا في بخديدي وفي سهل نينوى، أو القادمين من بلاد الاغتراب، وكلّنا فرحون بهذا العيد.  

سمعنا من الصّلوات والطّلبات معنى هذا العيد، فيسوع الوديع والمتواضع يدخل إلى أورشليم على هتاف الكبار والصّغار، وهو كان عالمًا أنّ هذا الدّخول هو مسيرته الأخيرة على الأرض قبل الألم والصّلب. فإذن لا يمكننا أن نفصل بين الفرح والألم في سرّ فدائنا الّذي تمّ بيسوع.

إنّ الأناجيل الأربعة كلّها تتكلّم عن دخول الرّبّ يسوع إلى أورشليم، ولو كلّ واحد بالطّريقة الخاصّة به. سمعنا من إنجيل لوقا في الرّتبة، وفي القدّاس سمعنا أيضًا من إنجيل يوحنّا، وجيمعهم يُجمِعون على إعطاء الصّورة عن يسوع الملك المتواضع. الأطفال والكبار يصرخون، والّذين لم يكن هذا المشهد يعجبهم، كانوا يطلبون من يسوع أن يُسكِت هؤلاء، وسمعنا كيف أجابهم يسوع: إن سكت هؤلاء صرخت الحجارة.  

إنّ المؤمنين في قره قوش، كهنةً وعلمانيّين، رهبانًا وراهباتٍ، الجميع قاسوا الأمرّين قبل سنوات، لكنّ حجارة كنائسكم، أيّها الأحبّاء، تشهد على أنّ الرّبّ هو أبوكم وأبونا. هذه الحجارة الّتي تركها لنا آباؤنا وأجدادنا، تنطق بمجد الرّبّ وبسرّ الفداء، ونحن نفتخر أنّ بخديدي كانت، ولا تزال، وإن شاء الله ستبقى دائمًا هذا الينبوع للسّلام والمحبّة والتّآخي بين الجميع. وإنّ شهادتكم معبّرة جدًّا عن إيمانكم وأصالتكم وحبّكم لهذه الأرض الطّيّبة، أرض الوطن".

وإختتم يونان عظته ضارعًا "إلى الرّبّ يسوع الّذي فدانا، ليس بالكلام بل بسفك دمه، ونسأله أن يجعل هذه الرّعيّة ورعايا الأبرشيّة دائمًا مليئة بالرّجاء، أنّه مهما حصل سنبقى شعب الرّجاء، شعب الفرح، شعب السّلام."  

وقبل البركة الختامية، ألقى المطران يونان حنّو كلمة رحّب فيها بالبطريرك، معبّرًا عن الفرح الكبير بهذه الزّيارة، متمنّيًا له دوام الصذحّة والعافية، ومهنّئًا الجميع بالعيد المبارك.

ثمّ، وبإنعام بطريركيّ، ألبس يونان كاهن الرّعيّة الأب عمّار ياكو الصّليب المقدّس والخاتم، معلنًا ترقيته إلى رتبة الخوراسقفيّة في وقت لاحق.  

بعد القدّاس، ترأّس يونان الاحتفالات بالتّطواف والمسيرة السّنويّة التّقليديّة والتّاريخيّة في شوارع قره قوش (بخديدي)، بمشاركة أكثر من عشرين ألف مؤمن ومؤمنة من أبناء هذه البلدة، والكاردينال فيليب برباران رئيس الأساقفة السّابق لأبرشيّة ليون اللّاتينيّة في فرنسا، والّذي حضر خصّيصًا للمشاركة في هذه المناسبة التّاريخيّة على رأس وفد من ليون مؤلَّف من 33 شخصًا. إضافة إلى مشاركة لفيف من الإكليروس والمسؤولين المدنيّين والعسكريّين، والمنظّمات الكنسيّة من أخويّات ومؤسّسات، فضلاً عن حشود وجماهير غفيرة جدًّا من المؤمنين من أطفال وشبّان وشابّات ورجال ونساء.

وفي التّفاصيل، وبحسب إعلام البطريركيّة، "بدأت المسيرة بصلاة افتتاحيّة في كنيسة الطّاهرة الكبرى، ثمّ انطلق الموكب المهيب من أمام كنيسة الطّاهرة الكبرى ودار المطرانيّة، على وقع أناشيد الشّمامسة والجوقات وترانيم المؤمنين ومكبّرات الصّوت. وطاف الجميع في شوارع البلدة، فيما حمل غبطة أبينا البطريرك صليبًا كبيرًا مزيَّنًا بأغصان الزّيتون، ليتناوب لاحقًا على حمل هذا الصليب الأساقفة وعدد من الخوارنة والكهنة والرّهبان والرّاهبات والمؤمنين.

ولدى وصول المسيرة إلى أمام كنيسة مار يوحنّا المعمدان، اعتلى غبطة أبينا البطريرك منبرًا خاصًّا نُصِبَ على سطح الكنيسة، يحيط به الأساقفة والكهنة. ورنّم غبطته إنجيل عيد دخول الرّبّ يسوع إلى أورشليم يوم عيد الشّعانين".  

ثمّ ارتجل كلمة تاريخيّة باللّهجة السّريانيّة المحكيّة "السورث" وباللّغة العربيّة، توجّه فيها إلى الجموع الغفيرة المحتشدة، قائلاً: "السّلام لكم جميعًا، كبارًا وصغارًا، أوشعنا بريخا للجميع، للقريبين والبعيدين. نحن اليوم مسرورون جدًّا لأنّنا موجودون بينكم، فليحفظكم الرّبّ ويحفظ بخديدي العزيزة علينا كلّنا."  

ونوّه إلى أنّ "هذه هي المرّة السّادسة الّتي نشارك فيها بفرحتكم في عيد الشّعانين كبطريرك، ونحن معتزّون وفخورون جدًّا بكم جميعًا. ومعنا أصحاب السّيادة إخوتنا المطارنة، خمسة أحبار أجلّاء من بخديدي. الفرحة كبيرة، وكلّ الّذين أتوا من قريب وبعيد يفتخرون أنّ هذا العيد هو عرس بخديدي، عرسٌ رائعٌ تتمّمونه أنتم دائمًا أيّها الأحبّاء، بالإيمان بالرّبّ يسوع، وبالأمانة لمريم والدة الله ولجميع القدّيسين والشّهداء، وبالالتزام بكنيستكم السّريانيّة وبتعاليمها".  

ولفت إلى أنّ "هذا العيد يملأ قلبنا فرحًا، لأنّنا وعدنا راعيكم الجديد مار بنديكتوس يونان قبل شهر ونصف أن نأتي ونشارككم هذه الفرحة في عيد الشّعانين، ونشكر سيادته لأنّه قدّم لنا هذه الدّعوة بكلّ محبّة."  

وأردف: "لا لزوم للإطالة، لأنّكم أنتم تعيشون فرحة هذا العيد، يسوع يدخل إلى أورشليم ملكًا، لكنّه ملكٌ بالوداعة والتّواضع والمحبّة، ويسوع يريدنا نحن تلاميذه أن نعيش أيضًا على مثاله، بالوداعة والتّواضع والمحبّة."  

وأكّد على أنّ "أنتم أهل بخديدي السّريان تعطون المثل لجميع المسيحيّين في هذه الأرض المباركة، أرض بلاد ما بين النّهرين– العراق. أنتم تعطون الشّهادة رغم كلّ الآلام والمعاناة والتّهجير والشّتُّت في العالم كلّه، لا تزالون تحبّون بخديدي، وتريدون دائمًا أن تكون بخديدي حقيقةً جوهرة المسيحيّين في العراق، ومثالاً لكلّ أبرشيّاتنا ورعايانا وإرساليّاتنا، أكان هنا في الشّرق أو في بلاد الانتشار".

وشدّد على أنّ "على فرحة هذا العيد أن تكتمل وتتحقّق في حياتكم المسيحيّة، وفي عائلاتكم الّتي هي متجذّرة بالإيمان، ولا تقبل أيّ شواذ، وإن كانت هناك أخطاء، فالاتّكال هو على الله دائمًا من أجل تصحيح هذه الأخطاء. على عائلاتنا أن تكون حقيقةً الكنيسة البيتيّة، وأن يكون الأب والأمّ والأولاد حقيقةً تلك الجماعة المسيحيّة الّتي تعيش إيمانها بكلّ أبعاده، وليس فقط بالكلام أو بالمظاهر.  

علينا أن نهتمّ أيضًا بأولادنا الصّغار، إذ هم عطيّة الله، ولا يجب أن نتأفّف من ذلك أبدًا، فنعتبرهم كُثُرًا ويخلقون لنا صعوباتٍ ويجعلون حياتنا نوعًا ما متأرجحةً بين المتعة والمال والذّات. بل يجب علينا أن نفهم أنّه مثلما أعطانا آباؤنا وأمّهاتنا هذا المثل وهذه القدوة، فعلى الأولاد أن يكونوا حقيقةً العطيّة الإلهيّة الّتي يجب أن تجمع ما بين الزّوج والزّوجة، الأب والأمّ. وهنا نتذكّر بشكلٍ خاصّ الأجداد والجدّات الّذين يهتمّون بالأولاد الصّغار ويعطونهم المثل الصّالح."

وإختتم بالقول: "أحبّائي، ابقوا دائمًا فرحين بالرّبّ يسوع، ابقوا دائمًا شهودًا للمحبّة أينما كنتم، خاصّةً في هذه المنطقة، سهل نينوى. ونشكر جميع أصدقائنا الّذين أتوا من بعيد، خاصّةً نيافة الكاردينال فيليب برباران والوفد المرافق له من ليون– فرنسا، والبالغ عدده 33 شخصًا، والرّهبان والرّاهبات. نبقى دائمًا معتزّين وفخورين بإيماننا وبكنيستنا السّريانيّة وبرعاتنا الصّالحين، حتّى نكمل دعوتنا المسيحيّة، ونكون مستحقّين أن ندخل مع يسوع إلى أورشليم السّماويّة".  

هذا وكان كلمة للمطران بنديكتوس يونان حنّو عبّر فيها "عمّا يختزن قلبه من مشاعر في هذا العرس الرّوحيّ العظيم والمهيب"، مهنّئًا البطريرك يونان والجميع بالمناسبة، ومتمنّيًا لهم أعيادًا مجيدةً مكلَّلةً بالفرح والصّحّة والعافية والتّوفيق.  

بعدئذٍ تابعت المسيرة وصولاً إلى أمام دار المطرانيّة، حيث صعد يونان إلى سطح المبنى، ومنح البركة الختاميّة بالصّليب الكبير المُزدان بأغصان الزّيتون، بعد أن أدّى مع الأساقفة والخوارنة والكهنة والشّمامسة صلاة الشّكر للرّبّ على هذه المناسبة المباركة.