في اليوم الأخير من زيارته الرّسوليّة إلى إسبانيا، أراد البابا توجيه رسالة تضامن ورجاء “قويّة” للمهاجرين في تينيريف، خلال لقاء المقيمين منهم في مركز الاستقبال “الجذور” بمدينة سان كريستوبال دي لا لاغونا بحضور وزيرة الشّؤون الاجتماعيّة ومدير المركز ولفيف من الشّخصيّات الرّسميّة والكنسيّة.
البابا وفي كلمته أكّد أنّ محبّة الله لا تعرف حدودًا ولا تمييزًا، بل تجمع الكلّ في الوحدة، فقال بحسب إعلام الكرسيّ الرّسوليّ:
“أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، صباح الخير!
أشكر السّيّدة الوزيرة على الكلمات الصّادقة الّتي وجّهتها إليَّ، وكذلك مدير هذا المركز.
نحتفل اليوم في الكنيسة بعيد قلب يسوع الأقدس، الّذي يعبِّر بالنّسبة للمسيحيّين عن محبّة الله الرّحيمة واللّامتناهية لكلّ إنسان. في هذا السّياق، إنّها عناية إلهيّة أن نستطيع أن نلتقي، ونرى بعضنا البعض، وقبل كلّ شيء أن نعلم، بغضّ النّظر عن موطننا الأصليّ، أنّ محبّة الله لا تعرف حدودًا، ولا تميّز أحدًا عن أحد، بل تُعطَى للجميع وتجمعنا في الوَحدة.
عندما أنظر إلى وجوهكم، وأستمع إلى شهاداتكم، أفكّر أيضًا في قلوبكم، الّتي جرحتها صعوبات كثيرة، والّتي وجدت العزاء أيضًا في المحبّة الّتي نلتموها بفضل قلوب أخرى منفتحة وسخيّة ورحيمة. تألّم قلب المسيح وطُعن من أجل المحبّة، ووجد التّعزية أيضًا من قبل أشخاص رؤوفين اقتربوا منه لتخفيف ألمه.
لكي يشرح يسوع شموليّة المحبّة، قدّم مثالًا على عمل خدمة قام به رجل من شعب آخر ودين آخر، الّذي أشفق على الجريح والمظلوم (راجع لوقا 10، 25-37). وبدافع من محبّة الله هذه، الّتي تساعدنا لنشفي الجراح ونكون محبّين للمتألّمين، انطلق القدّيس الأخ بيدرو (Pedro) والقدّيس خوسيه دي أنشيتا (José de Anchieta) من أراضي الكناري هذه ليُعلِنا الإنجيل في أميركا، ويفتحا آفاق إرساليّة جديدة. هُمَا أيضًا كانا مهاجرَين توجّها نحو المجهول، وحملَا معهما في أمتعتهما الرّئيسيّة الإيمان والرّجاء والمحبّة.
في تلك الأراضي المجهولة، عرف القدّيسان المهاجران والمُرسلان كيف يعطيان ما لديهما، وفي الوقت نفسه، كيف يتقبّلان الجديد الّذي كان يُعرض عليهما. أدعوكم أنتم أيضًا إلى أن تقدّموا كنز الإنسانيّة والأحلام والثّقافة الّتي جلبتموها إلى هذه الجُزر، وأن تكونوا منفتحين على أن تتقبّلوا ما يُعرض عليكم. يجب علينا أن نعيش هذا التّبادل أيضًا بمسؤوليّة، ونفكّر في مستقبل الأجيال القادمة، الّتي نريد أن نترك لها إرث حضارة المحبّة، وحيث للهجرة إسهام مهمّ، لأنّها “يمكن أن تصير فرصة للالتقاء والغِنى المتبادل بين الشّعوب” (رسالة بابويّة عامّة، الإنسانيّة الرّائعة، 81).
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، نحن كلّنا مهاجرون، بطريقة ما، وكلّنا حُجَّاج في مسيرة نحو الوطن السّماويّ. لنتساعد لكي نجعل في هذه الرّحلة فسحةً فيها المزيد من الإنسانيّة للجميع، ونُساهم في ذلك بما هو في مقدورنا. بهذا المعنى، أشكر الحكومة، والمؤسّسات المختلفة والرّجال والنّساء ذوي الإرادة الصّالحة الكثيرين، على تعاونهم الّذي يجعل هذه المساعدة الإنسانيّة الملموسة ممكنة، والّتي تُعيد الرّجاء والكرامة إلى أُناسٍ كثيرين.
لفت انتباهي اسم مركز الاستقبال هذا، الّذي يُدعى ”الجذور“ (Las Raíces). كان سلفي العزيز البابا فرنسيس، الّذي تمنّى كثيرًا أن يكون بينكم، كان يحبّ أن يستخدم صورة الجذور لكي يدلّ على ضرورة عدم نسيان الأصول، وعلى البقاء متّحدين، وعلى الثّقة بالرّبّ يسوع. “لأنّ من يثق بالرّبّ ”يَكونُ كالشَّجَرَةِ المَغْروسَةِ على المِياه، تُرسِلُ أُصولَها إِلى مَجْرى النَّهْر، فلا تَخافُ الحَرَّ إِذا أَقبَل، بل يَبْقى وَرَقُها أَخضَر“ (إرميا 17، 8)” (الإرشاد الرّسوليّ ما بعد السّينودس، المسيح يَحيَا، 133). لتساعدكم صورة الجذور هذه أيضًا لتبقوا راسخين بقوّة في الرّبّ يسوع (راجع قولسي 2، 7)، حتّى لا تستطيع أيّ عاصفة أن تبعدكم عن حضوره الّذي يقوّي ويُحيي.
أيّها الأصدقاء الأعزّاء، أحملكم في قلبي وأذكركم في صلاتي. ليبارككم الله، وليبارك عائلاتكم وكلّ الذين يصنعون الخير لكم. ولترافقكم سيّدتنا مريم العذراء، معزّية المهاجرين، ولتساعدكم دائمًا بحمايتها الوالديّة.
شكرًا جزيلًا.”



