وافق البابا لاون الرّابع عشر على إصدار مراسيم دائرة دعاوى القدّيسين المتعلّقة باستشهاد 20 كاهنًا من جزيرتي إيبيزا وفورمينترا الإسبانيّتين.
وفي التّفاصيل، وخلال استقباله اليوم عميد دائرة دعاوى القدّيسين الكاردينال مارتشيلو سيميرارو، “أذن البابا للدّائرة بنشر المراسيم الخاصّة بالاعتراف باستشهاد خوان توريس توريس و١٩ من رفاقه، وهم كهنة أبرشيّون من جزيرتي إيبيزا وفورمينترا، قُتلوا “بسبب إيمانهم” في إسبانيا خلال الحرب الأهليّة في ثلاثينيّات القرن الماضي؛ وبذلك سيتمّ إعلانهم طوباويّين”.
في المقابل، ووفق ما نشر موقع “فاتيكان نيوز”، “نال لقب “مكرّم” بعد الاعتراف بفضائلهم البطوليّة كلّ من: الأمّ كلارا أندرو إي مالفيريت، وهي راهبة عاشت في جزيرة مايوركا بين القرنين السّادس عشر والسّابع عشر؛ وجوليُو إيميليو ألبرتو دي لومبيرد، وهو كاهن ومؤسّس لعدّة رهبانيّات؛ والأخت ماريا بيترا جيوردانو، راهبة دومينيكانيّة في دير سانتا ماريا ديل ساسو في بيببيينا بإقليم توسكانا؛ والأمّ ماريا تيريزا تالون، مؤسّسة رهبانيّة “الزّائرات الرّعويّات لمريم العذراء سيّدة الحبل بلا دنس”؛ والأمّ ماريا أنييزي تريبيولي، مؤسّسة رهبانيّة “العاملات الورعات للقدّيس يوسف”.
ولكن ما قصّة الطّوباويّين والمكرّمين الجدد؟
وكما ورى موقع “فاتيكان نيوز”، فـ”في وقت الاستشهاد، الّذي وقع بين آب أغسطس وأيلول سبتمبر ١٩٣٦، كان هؤلاء الكهنة يمثّلون نحو نصف الإكليروس المحلّيّ، الّذي كان يمر آنذاك بصعوبات بالغة نظرًا للتّضييق المتزايد على حرّيّة العبادة في إيبيزا. وهي ظروف دفعت الأبرشيّة إلى تعليق التّطوافات لأسباب أمنيّة. ورغم هذا الموقف الحذر، تحوّلت التّوتّرات الاجتماعيّة إلى أعمال عدائيّة علنيّة، مثل تدنيس رعيّة “سان كارلوس” عام ١٩٣٤ وما تلاها من هجمات حرق متعمّد. واستهدفت الاضطهادات اللّاحقة محو الهويّة الكاثوليكيّة للجزيرتين تمامًا، لدرجة حذف سابقة “سان” (قدّيس) من أسماء القرى. وكان خوان توريس توريس، رأس هذه الدّعوى والأصغر سنًّا في المجموعة، شابًّا متواضعًا وسخيًّا، وبقيت ذكرى استشهاده ورفاقه الـ١٩ حيّة طوال هذه السّنوات في الكنيسة المحلّيّة.
وفي جزيرة إسبانيّة أخرى، وهي مايوركا، عاشت وماتت الأمّ كلارا أندرو إي مالفيريت. وُلدت في ٤ كانون الأوّل ديسمبر ١٥٩٦، واقتيدت في سنّ السّابعة إلى دير القدّيس بارتولومي في “إنكا” بداخل الجزيرة. ارتدت بربارا أونوفريا (وهو اسمها في المعموديّة) الثّوب الرّهبانيّ في سنّ الثّانية عشرة، وأبرزت نذورها الرّهبانيّة في ١٧ شباط فبراير ١٦١٣، بعد وقت قصير من بلوغها السّادسة عشرة. كَرّست نفسها لرعاية الضّيوف والمستوصف في الدّير، وطوّرت حياة روحيّة عميقة وعاشت خبرات صوفيّة استثنائيّة رافقتها طوال حياتها. وفي هذا الصّدد، كلَّف أسقف مايوركا راهبًا كرمليًّا بإجراء تحقيق فرض تدابير عدّة؛ حيث أخذت الرّاهبة التّوجيهات على محمل الجدّ والتزمت بها. وفي ١٦ حزيران يونيو ١٦٢٨، أبلغت معرِّفها بأنّ مرضها سيكون سريعًا وطلبت الاعتراف كما لو كانت المرّة الأخيرة. وبعد أسبوع، دخلت في النّزاع الأخير ونالت مسحة المرضى. لقد عاشت فضيلة الطّاعة بطريقة مثاليّة، لاسيّما عندما خضعت للتّحقيقات بسبب خبراتها الصّوفيّة؛ إذ قبلت كلّ شيء بتواضع عميق، خاضعة لقرارات السّلطة الكنسيّة. وقد جعلت شهرة قداستها من دير القدّيس بارتولومي مزارًا يحجّ إليه المؤمنون حتّى يومنا هذا.
أمّا الأخت ماريا بيترا جيوردانو، فقد كانت من نابولي ونشأت في عائلة شديدة التّعبّد لسيّدة بومباي وكتابات القدّيس بارتولو لونغو، وولدت في نابولي في ٤ تمّوز يوليو ١٩١٢. وبعد انتقال عائلتها إلى روما بسبب خلافات والدها مع النّظام السّياسيّ، تردّدت الرّاهبة على كنيسة “سانتا ماريا سوبرا مينيرفا”، حيث أدركت دعوتها للحياة الرّهبانيّة وطلبت دخول دير الدومينيكان “سانتا ماريا ديل ساسو” بالقرب من بيببيينا في توسكانا. وهناك، بعد حصولها على إعفاء من الكرسيّ الرّسوليّ نظرًا لصغر سنّها، عُينت معلّمة للمبتدئات، وصارت لاحقًا رئيسة للجماعة. ونظرًا لأنّ وفاتها تعود إلى ٢١ حزيران يونيو ٢٠٠٦، فإنّ دعواها تحظى بالعديد من شهادات العيان المباشرة، وقد عاشت الرّاهبة حياتها كلّها مستلهمة من الإنجيل.
ومن بلدة هانوفر القريبة من يوتيكا في ولاية نيويورك، جاءت الأمّ ماريا تيريزا تالون، مؤسّسة رهبانيّة “الزّائرات الرّعويّات لمريم العذراء سيّدة الحبل بلا دنس”. وُلدت في ٦ أيّار مايو ١٨٦٧، وهي ابنة لمهاجرَين أيرلنديّين. وفي سنّ مبكرة جدًّا، أفضت إلى والدتها برغبتها في الانتماء الكلّيّ لله. ورغم بعض التّحفّظات من جانب عائلتها، تمّ قبولها في رهبانيّة “أخوات الصّليب المقدّس ونوتردام” في ولاية إنديانا. وفي سان فرانسيسكو، حيث عُيّنت، تفشّى وباء الدّفتيريا، فأصيبت به الرّاهبة أثناء عنايتها بالمرضى. وحتّى أثناء مكوثها في المستشفى، واصلت زيارة المرضى الآخرين ومواساتهم. وبعد شفائها، استأنفت التّدريس في رعيّة القدّيس بولس في مانهاتن. وهناك تحديدًا، في عام ١٩٠٨، نضجت دعوتها لتأسيس جماعة رهبانيّة جديدة من النّساء “المتأمّلات في الشّوارع”: “الزّائرات الرّعويّات لمريم العذراء سيّدة الحبل بلا دنس”. وفي عام ١٩٥١، عن عمر يناهز ٨٤ عامًا، قبلت بطاعة ترك إدارة الرّهبانيّة. وفي ١٠ شباط فبراير ١٩٥٤، تسبّبت لها سقطة قويّة في أمراض أدّت إلى وفاتها في ١٠ آذار مارس التّالي. وتركّزت مسيرة الرّاهبة بأكملها على الله والرّسالة من أجل تعليم الأطفال والبالغين الأكثر إهمالًا.
ومن قرية “بيفيرين- لي” في بلجيكا، جاء جوليُو إيميليو ألبرتو دي لومبيرد، وهو كاهن في رهبانيّة “مرسلي العائلة المقدّسة”. وُلد في ٧ كانون الثّاني يناير ١٨٧٨، وهو مؤسّس رهبانيّة “بنات قلب مريم الطّاهر”، ورهبانيّة “مرسلي سيّدة القربان الأقدس”، ورهبانيّة “أخوات سيّدة القربان الأقدس”. وفي سنّ السّابعة عشرة تقريبًا، وأثناء استماعه لعظة أسقف أفريقيّ، نضجت لديه الرّغبة في أن يصبح مرسلًا، وهو ما حقّقه بدخوله كطالب في “جمعيّة مرسلي سيّدة أفريقيا”. وانطلق بعد ذلك إلى “الحراش” بالقرب من الجزائر العاصمة، وفي عام ١٩١٠ عاد إلى بلجيكا، حيث كلّفه الرّؤساء بتأسيس وإدارة المدرسة الرّسوليّة في “واكن”. وفي أيلول سبتمبر ١٩١٢، سافر إلى البرازيل، حيث استقرّ مكرّسًا نفسه للخدمة الرّاعويّة، والتّعليم المدرسيّ، والتّعليم المسيحيّ في المناطق الأكثر وعورة في الأمازون. وفي ١٩ آب أغسطس ١٩٤١، مُنح الجنسيّة البرازيليّة، وتحدّث خلال الحفل، بحضور السّلطات المدنيّة، عن حبّه الشّديد للبلاد. وفي ٢٤ كانون الأوّل ديسمبر ١٩٤٤، وأثناء توجّهه إلى “فارجيم غراندي”، تعرّض لحادث سيّارة خطير أدّى إلى وفاته. وطوال حياته، كان الكاهن مدفوعًا بحماس رسوليّ متّقد وبروح قويّة ومكافحة، يعضدها الصّلاة والثّقة المطلقة بالله.
أخيرًا، تأتي قصّة الأمّ ماريا أنييزي تريبيولي، الّتي وُلدت في فلورنسا في ٢٠ نيسان أبريل ١٨٧٩ بدون اعتراف من والدها الطّبيعيّ. وبسبب الصّعوبات الاقتصاديّة الّتي واجهتها أسرتها، أُرسلت إلى ملجأ القدّيس يوسف، حيث نضجت دعوتها حتّى أبرزت نذورها الرّهبانيّة. ومع اندلاع الحرب العالميّة الأولى وصعوبات أخرى، اقتنعت الرّاهبة بضرورة ترك العمل وتأسيس رهبانيّة “العاملات الورعات للقدّيس يوسف”، والّتي قُبلت في أبرشيّة إيمولا. وقادت العديد من المبادرات الخيريّة خلال الحرب العالميّة الثّانية، بما في ذلك استقبال مجموعة من اليهود والمواجهة اللّاحقة مع الجنود الألمان؛ وتقديرًا لالتزامها هذا، اعتُرف بها بعد وفاتها كـ”صاحبة مروءة بين الأمم” (نصيرة للحقّ). وفي عام ١٩٥٨، ظهرت عليها مشاكل القلب الأولى، والّتي أدت بعد ستّ سنوات إلى وفاتها في ٢٧ شباط فبراير ١٩٦٥ عن عمر يناهز ٨٥ عامًا. لقد عاشت الرّاهبة إيمانها مترجمة إيّاه إلى أعمال محبّة عديدة، مستلهمة بشكل خاصّ من الأسلوب الفقير والبسيط للقدّيس فرنسيس الأسيزيّ.”



