19 يونيو 2026
مقالات

الشّماس اسبيرو جبور: صفحة بيضاء من تاريخ الكرسيّ الأنطاكيّ الأرثوذكسيّ المقدّس

بمناسبة التّذكار الجامع للقدّيسين الأنطاكيّين “الأرثوذكسيّين”، نتذكّر ما كتبه الشّمّاس اسبيرو جبّور عن تفاصيل خاصّة بسيرة القدّيس غريغوريوس الرّابع الحدّاد في السّطور التّالية:

“في عام 1890 اختار الله مطرانًا لطرابلس، الخالد الذّکر غريغوريوس حداد. وفي عام 1906 اختاره ثانية لتولّي سدّة البطريكيّة الأنطاكيّة.

كان غريغوريوس قدّيسًا ذا سيرة لا عيب فيها، وأكرمَ من حاتم الطائيّ حتّى صار يجبُ أن يُقال: “أكرم من غريغوريوس حداد” ولكن هل هناك في العالم أكرم منه؟

“هیهات أن يأتي الزمنُ بمثله … إنّ الزّمان بمثله لبخيل”

فالبلاد طُراً تعرف أنّه باع واستقرض إبّان الحرب الأولى ليُنفق على الفقراء. وتصَّدق حتّى بثيابه.  ولمع نجم غريغوريوس في الدّنيا فكان قِبلةَ أنظار العالم الأرثوذكسيّ وكوكبَ دمشق السّاطع. وكانت شخصيّة ساحرة فسيطرت على جميع مَن عرفه وانتزعت الانحناءَ إجلالاً من الجميع فتقدَّم واحد من تابوته قائلا: “لو لم يكن محمد خاتمةَ الأنبياء لقلت إنّك نبيّ”. ورثاه العلامةُ الشّيخ مصطفى الغلاييني بهذه الدُّرر:” لقد ادعاك النّصارى والمسلمون والكلُّ يزعم أنّك بطريركه أما أنا فأقول: إنّك لم تكن بطريرك طائفة من الطّوائف وأمّا أنت بطريرك الإنسانيّة الفاضلة”. وقال سفير يوغوسلافيا: “إنّه حقيقة بطريرك مسكونيّ” (أيّ بطريريك للدّنيا لا لأنطاكية فقط). ويذكره المرحوم محمد كرد علي في مؤلفاته باحترام وإجلال.

ومن مواقفه الخالدة على مرّ الزّمن قصّة زيارته عام 1913 لروسيا بدعوة القيصر فخرجت بقضّها وقضيضها، قيصرًا وإكليروسًا، وعشراتِ ملايين تحني رأسَها خاشعة على نمط لا مثيل له في تاريخ روسيا وتاريخ العالم. وبتاريخ 6/3/1913 ترأّس الاحتفال الرّسميّ بكنيسة قازان مُرتديًا حُلَّة ملوكيّة وواضعًا القيصر إلى يمينه والإكليروس إلى يساره وجماهير أنقى شعوب الدّنيا بين يديه. لقد أفل نجم قيصر يحكم أوسع أرض وأكبر شعبٍ في أوروبا أمام سطوع شمس غريغوريوس الآتي من دمشق المستعمَرة التي قضَّت مضاجعها قرونٌ عديدة من التّسلّط الأجنبيّ الغاشم. هذا هو سلطان الرّوح الذي يُخضِع الملوك والرّؤساء والشّعوب بدون جيش أو عتاد، فهو خاصيّة الإنسان الرّوحيّ فقط. وكان غريغوريوس روحًا ملائكيّة في جسد ترابي فكتب على صورته: “أنا تراب ورماد ولكنّ الرّبّ قد رفعني”. ترفَّع عن عبادة المال فمقته فصار العالمُ المادّيّ عبدًا له. واحتمى بالله فتخلَّص من الشّعور بالحاجة إلى أية حماية وتحوَّل إلى حامي الذِمار . فالعفيف الكبير النّفس يمدُّ كلّ نفس بالطّهر والرّفعة والسّؤدد والحماية بما تعجز عنه أيّة قوّة مادّيّة في العالم.

أمّا في الحقل الوطنيّ فغريغوريوس دُرة جهاد العرب ضدّ كلّ لون من السّيطرة الأجنبيّة دون كره أو بغض. فقد ولد عام 1859 فترعرع في زمان ولادة اليقظة العربيّة فواكبَ تفتُّح الشّعور القوميّ العربيّ وتبنّى معطياته بصدق وإخلاص وشرف. وكانت وحشيّةُ عهد الطّاغية عبد الحميد تزيد الشّعور القوميّ حدّةً للتّخلّص من نيرٍ أناخَ بكلكلِهِ  على العالم العربيّ قرونًا فأفقده هويّته وقوميّته وحضارته وثقافته وضربه بالجهل والتّخلُّف والتّمزّق والظّلام والبؤس وحوَّله إلى مسرح لتغلغلِ نفوذِ الدّول الأوروبيّة تحت ستارٍ متنوع الألوان. وقد حصر جلَّ همّه كرجل دين في تخليص طائفته من آثار الماضي البغيض.

فصداقة السّلطان سليمان القانونيّ وفرنسوا الأوّل ملكِ فرنسا أطلقت يد فرنسا في الدّولة العثمانيّة فحمت الإرساليّات الكاثوليكيّة التي توصَّلت عام 1724 إلى وقوع نكبةِ التحاقِ قسمٍ هام منّا بروما بإسم الرّوم الكاثوليك” ففرضت بطريركيّتُنا في القسطنطينيّة وصايتَها علينا لحمايتنا من الانفراط فتسلّط العنصرُ اليونانيّ على مقاديرنا. ولما كان غريغوريوس شمّاسًا جاهد ضد الإرساليّات الأجنبيّة بقوّة ليقينه أنّها عاملُ انحلال في صفوفنا. ولما صار مطرانًا ألَّب زملاءه فخلع آخرَ بطريرك يونانيّ. وكانت روسيا تؤيد ذلك فتوهَّمت ذلك مغنمًا ولكن خابت آمالها عام 1906 فانتخب المجمعُ غريغوريوس بطريركًا لأنّه أشدّ المطارنة مَضاءً وأقواهم شكيمةً وأقساهم تشبُّثًا بالنّزعة الاستقلاليّة التّحررّيّة. وكان عبد الحميد آنذاك في أقسى سطوته وكانت أوروبا (ما عدا الجرمان) مشغولة بتصفية الامبراطوريّة العثمانيّة وتوزيع رقعتها. فكانت فرنسا تعجُّ برجالات تركيا الفتاة ودعاة الانفصال والحرّيّة تعطفُ عليهم أشدّ العطف. وكان رسلها وجواسيسها يُحيون الأمصار حتّى إنّها أوفدت حميد باشا سلطان مراكش المخلوع عام 1913 إلى بعلبك لعقد الاجتماعات والدّعاية لها. وفي أوائل الحرب ألقيت محاضرة في غرفة تجارة مرسيليا بعنوان: “سورية الفرنسيّة”. ولكن غريغوريوس بقي في صف غُلاة العرب فتصرَّف في روسيا كعربي متطرّف فتَلا الصّلواتِ وحتّى الإنجيل وألقى الخطب جميعًا بالعربيّة (لو لم يُرِد الإلحاح على عروبته لتلا على الأقلّ الإنجيل بالأصل اليونانيّ لا بالتّرجمة العربيّة في بلد يفهم المثقّفون والإكليروس اللّغة اليونانيّة التي هي اللّغة الأصيلة للّاهوت المسيحيّ) فتنبَّهت لذلك المجلاتُ اليونانيّة فطعنته بالتّعصبّ لعروبته.

ويوم تمَّت البيعة لفيصل في 8/3/1920 کان غريغوريوس کوکبَ المجتمع فذهبت بيعته حديث النّاس إلى اليوم. فبعد إعطاء فيصل العهود والمواثيق على نفسه كان كلام غريغوريوس: “بيننا وبينكم عهود في هذه القاعة لا تغيب عن ذاكرتكم الشّفّافة إذا كنتم لا تزالون عليها لراسخون”. ولكن أغاظ لندن وباريس قيامُ حُكم عربيّ لامع في دمشق الأمويّين حيث التّاريخ واخز كبير لاستعادة أمجاد ماضية. فظهر تخطيط معقّد جدًّا لم يعرف مؤرّخ عربيّ بعد كيف ينسل خيوطه لتزداد خبرة ضدّ لونٍ من أخبث ألوان التّآمر على القضيّة العربيّة في أروقة الدّول الكبرى لاقتسام بلاد العرب إلى مناطق نفوذ لها كأنّنا صرنا نحن الرّجل المريض.

وقد اكتوينا بعمل مماثل في نكبة فلسطين ويُحاك لنا ما يحاك اليوم (ليس لدينا ويا للأسف مؤرّخ يجمع صفات السّياسيّ اللّامع والخبير الماهر بألاعيب التّجسّس إلى جانب التّحليل النّفسيّ والاجتماعيّ والاطلاع الواسع. فدهاقنة من هذا النّوع فقط كفيلون بفكّ الخيوط). وغادر فيصل إلى سورية ضحيّة ثقته بالحلفاء، فانفرط عقد النّاس من حوله أمّا غريغوريوس فبقي رجلَ الوفاء فانفرد تقريبًا بوداعه فألقى فيصلُ اليه بعباءته وعقاله علامة الاستسلام لشهامته. ودخل غورو دمشق فاتحًا في ظروف بلبلة واسعة خان فيها البيعةَ مَن خان وامتدح الانتدابَ مَن امتدح إلّا غريغوريوس الطود  الأشمّ. وعبثًا حاول غورو مقابلته واسترضاءه فخرج حانقًا في قلبه ولكن دون أن يستطيع كتم اعترافه: “إنّني بالحقيقة قد شاهدتُ رجلاً عظيمًا لا يمكنني إلّا أن أحني رأسي له احترامًا”. وقد قضى بقيّة عمره دون أيّ تودُّد لفرنسا فحنقت عليه ونصبت له الشّراك العديدة حتّى فاضت روحه إلى الله عام ۱۹۲۸.

وما تزال أخباره حديث النّاس في دمشق. وفي أعوام 1945- 1948 على ما أذكر كان مدرّسُ الدّيانة الإسلاميّة في تجهيز دمشق يقف بين طلّابه قائلاً ما فحواه: “كان في دمشق في يوم من الأيّام رجل عظيم هو غريغوريوس حدّاد…” ثم كان يأخذ في الاستفاضة عن تاريخه المجيد. فبعد 75 سنة من توليه المَطرنة نقف أمام ذكراه دينيًّا وقوميًّا فنراه معلّمًا أكبر. في ميدان الدّيانة علَّمَنا الفضيلة وعزل الدّين عن السّاسة عزلاً كاملاً وخاصّة عن التّلوّث بأيّة عمالةٍ خارجيّة مهما كان لونها معتبرًا أنّ الدّين رابطة روحيّة فقط تجمع النّاس شعوبًا عديدة. وفي ميدان الوطنيّة علَّمَنا حبّ الوطن والاستقلال والتّجرّد من كلّ تعصّب طائفيّ أو مذهبيّ والتّخلُّص من كلّ ألوان السّيطرة الأجنبيّة. لذا كان يردّد حتّى النّهاية “الدّين لله والوطن للجميع”.

إنّ حياته سجلٌ حافل بالارتقاء الرّوحيّ إلى الله وبحبّ الوطن والمواطنين دون تمييز. فالحقد نقيصة النّفوس التي رَبيت بين أبوَين سيّئين فاقدي العواطف السّليمة نحو الإنسان عامّة أو نقيصة الأرواح التي تستغلّ الاعتبارات الطّائفيّة لجرّ المغانم. وحياته فوق هذا وذاك سِجلُّ الإباء والعزّة والكرامة، الرّفعة والشّهامة والسّخاء والبطولة والجرأة وتوقّد الذّكاء.”